الجمعة، 15 أكتوبر 2010

مقاربات نحو مفهوم الإلحاد - 2

إن من أكثر الأمور عبثية هي مناقشة الشخص المتحفّز، بصرف النظر عن باعث هذا التحفيز سواء كان ناجماً عن خوف أو جهل أو أيّ باعث آخر؛ فالشخص المتحفّز هو شخص فاقد للمنطق والموضوعية لأنه لا يناقش إلا ليشعر بالرضا عن نفسه ذلك الشعور الذي يحتاجه ليدعم به قناعاته، وفي هذه الحالة فهو لا يحتاج إلى دعائم منطقية أو علمية بقدر ما يحتاج إلى "شعور" حتى وإن كان هذا الشعور غير مستند على حقائق بالضرورة، فعندما يخاف الإنسان من الظلام فإن خوفه هذا يجعله متحفزاً وهذا التحفز يجعله متقبلاً لتصديق التوهمات كسماعه لأصوات غريبة أو رؤيته لخيالات غير آدمية أو إحساسه بالمراقبة .. إلخ. وبحثاً عن الاطمئنان فإنه يلجأ إلى فعل أشياء غير منطقية ليتجاوز بها خوفه، فنجد أن بعضهم يبدأ بالغناء بصوتٍ عالٍ، أو يقرأ المعوذتين، أو يتدثر بغطائه هرباً من كل ذلك.

الخوف والجهل ليسا مناطان بخلفية الشخص الأيديولوجية أو العقدية، بل هما –أصلاً- ليسا سوى مُجرّد بواعث طبيعية Natural Motives قد يتحلى بهما المُلحد أو المؤمن على حدٍ سواء. فالمُلحد قد يكون جاهلاً بأبسط الحقائق العلمية التي يبني عليها افتراضاته حول عدم إمكانية وجود الله، وقد يتغاضى في نقاشاته حول الله بعض المسائل غير الحسيّة والتي لا تنفصل عن الحس، وبالتالي يبدأ برفض كل ما هو غير حسي على الإطلاق. وقد يكون منشأ إلحاد البعض هو خوفهم من التصديق بوجود الله أصلاً، فيكون هذا الخوف دافعاً لرفض فكرة وجوده، لأن فكرة عدم وجوده تهبهم راحة نفسية واطمئناناً هم بحاجة إليه لتبرير أفعالهم وسلوكهم.

وذات الأمر ينطبق على المؤمن، فالمؤمن قد يكون جاهلاً بالنظريات العلمية وتطوراتها، وما يستجد بها، أو يكون جاهلاً بحقائق علمية بسيطة غير مقنعة بالنسبة إليه، فيرفضها بالإجمال دون أن يُخضعها على عقله، لأن قناعته بأن الله موجود تكفل له وجود إجابات على كل التساؤلات التي يجهلها، وبالتالي فإنه يُلجأ عدم معرفته بالأشياء إلى قصور عقله. وقد يكون منبع رفض المؤمن لفكرة عدم وجود الله هي خوفه الشديد من فكرة وجوده. فإذا كان موجوداً فإن احتماليات دخوله الجحيم كبيرة إن حاول مجرّد محاولة أن يُفكّر في هذا الأمر على هذا النحو.

وهكذا نرى كيف أن الخوف والجهل يعملان على إفشال كافة المحاولات –حتى الجادة منها- لمناقشة فكرة وجود/عدم وجود الله. وإن لم نستطع أن نتجاوز هذه النقطة بالتحديد، فإنني أزعم بفشل هذه المحاولة قبل بدايتها. فدعونا لا نكن متحفزين لدى دخولنا في نقاش كهذا، لأنه يتطلب وعياً وقدرة على تجاوز المُقدّس للوصول إليه أو نفيه؛ لاسيما إذا عرفنا أن بعض المؤمنين ينطلقون في قناعاتهم عن وجود الله من منطلق إلحادي ينفيه، وأن بعض المُلحدين ينطلقون في قناعاتهم عن عدم وجود الله من منطلق إيماني ينفيه؛ وما ذلك إلا عن طريق الفرضية وليس العقدية.

لأن المُؤمن –في هذه الحالة- يفترض عدم وجود الله وأدلة ذلك ليبدأ في تفنيد هذه الأدلة ودحضها (بناءً على المحفز الرئيسي) ليصل في النهاية إلى ما يعتقد أنه حقيقة تُساعده في الحصول على الشعور بالرضا النفسي وأنه على حق فهو بذلك إنما يُبرر لقناعاته ليس أكثر. والمُلحد –في هذه الحالة- يفترض وجود الله وأدلة ذلك ليبدأ في تفنيد هذه الأدلة ودحضها (بناءً على المحفز الرئيسي) ليصل في النهاية إلى ما يعتقد أنه حقيقة تُساعده في الحصول على الشعور بالرضا النفسي وأنه على حق فهو بذلك –أيضاً- إنما يُبرر لقناعاته.

ولا أُنكر أنني أخطأت في بعض الأحيان بانجرافي وراء هذا النسق في بعض المحاورات، لاسيما في منبر سودانيزأولاين، مُخالفاً بذلك قناعاتي الشخصية عن الإلحاد ونظريته وأدواته، وربما كان ذلك بسبب رغبة الكثيرين دفع النقاش بهذه الطريقة لأنها تخصهم بشكل شخصي. أنا أؤمن بأن الإلحاد نسق فكري فلسفي لا يهتم بمناقشة الدين في المقام الأول، وإنما بمناقشة الإنسان وحُريته في التفكير والإبداع والتأمل، وفي حُريته لمعرفة الحقيقة دون أن يحوله عن ذلك حائل سواء كانت الحقيقة التي سوف يصل إليها هي اكتشاف عدم وجود الله أو الاعتراف بوجوده.

وعلى هذا فإنني أرى أن مفردة "مُؤمن" هي أقرب ما يكون اصطلاحياً لوصف "المُلحد"، فإذا كان الله هو موضوع الجدل بين المؤمنين والمُلحدين فإنه لا يجوز إطلاق نعت "مُلحد" على شخص ما بحيث تكون مقابلاً لإنكار وجود الله، أو أن نطلق نعت "مؤمن" على شخص ما بحيث يكون مقابلاً لمُثبتٍ وجود الله، قبل أن يتم التوصل إلى حقيقة وجوده أو عدم وجوده في الأصل.

أعني أنه إذا تجادل شخصان حول إمكانية وجود أو عدم وجود كائن مائي ذو شكلٍ ومواصفات مُحددة، فإنه من الخطأ أن نطلق على مُنكر وجود هذا الكائن أنه (مُنكر) أو نطلق على مُثبت وجوده أنه (مُثبت) لأنه إن كان الأمر مُثبتاً أو مُنكراً في الأصل لما نشأ الجدال من أساسه، إلا أن يكون الوصف مجازياً كقولنا (أحمر) لتعريف لونٍ ما بعينه وتمييزه عن بقية الألوان الأخرى، والحقيقة أنه ليس هنالك وجود للأحمر، بل هنالك وجود لما يوصف بأنه أحمر، والأمر هنا مشابه لذلك بصورة تقريبية.

كما يجب علينا مراعاة أمر آخر، وهو أنّ المُلحد ينطلق في إنكاره لوجود الله على نظريات علمية وقناعات منطقية (حتى وإن لم تكن صحيحة)، وأن المؤمن ينطلق في إثباته لوجود الله على نظريات أخلاقية وقناعات عقدية (حتى وإن لم تكن صحيحة)، وهذه مُشكلة حقيقة يجب التنبّه إليها، لأن محاولات المؤمن الاعتماد على العلم لإثبات وجود الله يضعه في موضع حرج جداً يُضطره إلى تشويه نصوصه المقدسة لإجبارها على موافقة النظريات العلمية وهو ما نراه فيما يُسمى بالإعجاز العلمي في القرآن، علماً بأن النظريات العلمية متغيّرة في الأصل، ومع الأخذ في عين الاعتبار أن المؤمن لم يحتج إلى هذا العلم ليقتنع بوجود الله أصلاً، فهو مقتنع به حتى قبل أن يخضعه للقوانين العلمية ونظرياتها وقياساتها، وهو الأمر الذي يُحرج المؤمن فعلاً بل ويُحرج صورة الله الذهنية بالمقابل.

والأمر ذاته ينطبق على المُلحد الذي يعتمد على النظريات الأخلاقية في إنكار وجود الله إنما يتناسى أنّ الدين يأتي في كثير من الأحيان متماشياً مع القيم الأخلاقية المُجتمعية وغير منفصل عنها، وأنه –أي الدين- امتداد طبيعي لإرث الثقافة الأخلاقية التي يولّدها المُجتمع، ويسعى بها إلى تنظيم شئون الأفراد والعلاقات. إن البوابتان الرئيسيتان لمناقشة فكرة وجود/عدم وجود الله كما أراه هما:
  • نشأة الكون
  • خلق الإنسان

وعندما أقول بذلك فإنني أفصل بين مسألة وجود الإنسان ونشأة الكون، لأن هذه النقطة بالتحديد تجعلنا في مواجهة مباشرة مع السؤال: "هل الإنسان خلق بإرادة أم بضرورة؟" أعني هل أنّ وجود الإنسان كان ضرورة حتمية كجزء من نشوء الكون نفسه كبقية الكائنات الحيّة وغير الحيّة، أم أنّ وجوده منفصل عن هذه الحتمية بإرادة مستقلة؟ أعود لأشرح السؤال بطريقة أبسط قليلاً فأقول: هل نشأ الكون وتضمنت نشأته وجود الإنسان كضرورة حتمية لمجموعة قوانين ساعدت في وجوده مثلما وُجدت بقية الكائنات والموجودات؟ أم أنّ هنالك إرادة كانت هي وراء وجوده؟

إنّ وجود الإنسان في الفهم الديني وجود مستقل بإرادة مستقلة ولكنها في الوقت ذاته غير منفصلة عن إرادة نشأة الكون، فالكون نشأ تمهيداً ليكون الإنسان، وهذا الأمر منطقي؛ حيث أنك لتصنع طائرة يجب أولاً أن تُوجد المواد الخام للتصنيع وأن تفرد مساحة مناسبة لحجم الطائرة التي تُريد تصنيعها.

ولكن الأمر لا يبدو بهذه البساطة على الإطلاق، لأن القول بوجود الضرورة ووجود الإرادة قول مفصلي للغاية، يجعلنا نتساءل عن نوع هذا الوجود نفسه، فهل الأشياء موجودة أم ممكنة الوجود؟ لا يُمك الإجابة على السؤال إلا إذا عرفنا أن الشيء الموجود هو الشيء الأزلي بمعنى أن لا يكون قد بدأ، ولا يعقل أن ينتهي، والشيء ممكن الوجود هو الشيء الآتي من العدم ثم وُجد. على هذا النحو يُصبح الوجود الضروري مُريحاً في التفكير من حيث أنّ القول بأن هنالك وجود إرادة يجعلنا نتساءل كذلك عن هذه الإرادة نفسها ما إذا كانت أزلية أم مخلوقة من عدم. الأمر مُعقد للغاية كما يبدو، ولكن يُفيدنا أن نناقش الأمور بشكلها البسيط، دون الخوض في تفاصيل مُربكة ومُشوّشة.

هنالك نقطتان أساسيتان تُعيقان مجرى ناقشنا عن أمر (وجود الإرادة) على اعتبار أن العلّة الأولى أزلية، وأنّ كل الموجودات ناشئة عنها –أيّ عن هذه العلّة- وبالتالي القول بإمكانية الوجود وليس وجودها أبداً. أولى هذه النقاط هي كينونة العلّة سابقة على الإرادة خارجاً عن الزمان والمكان لأن إرادة الوجود مرتبطة بالزمان والمكان بالضرورة، ومع انتفاء الزمان والمكان تنتفي إرادة العلّة الأولى إن لم تنتفي العلّة نفسها تبعاً لذلك. لأن وجود العلّة الأولى خارجاً عن الزمان والمكان ينزع عنها صفة العلّة ويُلبسها صفة الاعتلال.

أعني أنه إذا كان هنالك علّة خارج الزمان والمكان، فإن هذه العلّة لن تكون فاعلية بما يكفي للإرادة، وبالتالي فإنها لن تستطيع فعل شيء، ومن ذلك فإنه ينتفي عن هذه العلّة اتصافها بأيّ صفة قيمية أو أخلاقية، لأن الأخلاق مرتبطة بالزمان والمكان كذلك. فهل العلّة الأولى (مثلاً) كانت رحيمة قبل الزمان والمكان؟ وهل "الله" (العلّة الأولى عند المسلمين) كان –قبل الزمان والمكان- ليس كمثله شيء أم أنه اكتسب هذه الصفة بعد الخلق؟ النقطة الأساسية الثانية التي تعيق مجرى نقاش أمر وجود الإرادة هي منطقية هذه الإرادة نفسها، وهو السؤال الكبير المتعلق بالخلق نفسه: (لماذا خلق الله الكون والإنسان؟) باستعراض المفهوم الديني يُمكننا الإجابة على هذا السؤال كالآتي:
• خلق الله الإنسان لعبادته.
• خلق الله الكون لمساعدة الإنسان على معرفة الله عبر التفكر في مخلوقاته.

يُحبذ كثير من الدينيين أن يُشبّهوا عملية الخلق بعملية التصنيع، انطلاقاً من مبدأ حسي في المقام الأول: (كل موجود له مُوجد) وهو مبدأ السببية المعروف، رغم أنهم لا يحاولون تطبيق هذا المبدأ على "المُوجد" على اعتبار أن المُوجد لا يُمكن أن يخضع للقانون الذي صنعه بنفسه. وأنا أرى أن النقاش في مسألة وجود/عدم وجود الله يجب أن يُبنى على فرز المصطلحات في المقام الأول، فمصطلح "مخلوق" هو مصطلح ديني يعترف بوجود خالق بالضرورة، وعلى هذا فإنه يُصبح من العبث أن يتكلّم مُلحد عن المخلوق محاولاً نفي الخالق! وأرى أنه من الأرشد أن نستعيض به مصطلحاً آخر وهو (كائن) مع الأخذ في عين الاعتبار أن الكائن قد يكون حيّاً وقد يكون غير حي.

مقاربات نحو مفهوم الإلحاد - 1

الإلحاد في أبسط صوره -كما أراه- هو: التحرر من المقدّس؛ إذ أنّ الاشتراط الوحيد للإلحاد هو الحريّة. وإلى هذا الحدّ في التعريف المبسّط للإلحاد نقف عند نقطتين أساسيتين هما: الحريّة و القداسة. فالعديد من المُلحدين يُفرِطون في اعتبار الحرّية حتى تُصبح هي الأخرى مقدّسة أو تكاد، أو يُفرّطون في القداسة إلى الحدّ الذي يصعب فيه التفريق بين الحريّة والفوضى أمراً مستحيلاً، والواقع أنّ الإلحاد العقلي المستنير المعتدل هو المطلوب وهو الأصح في جميع الأحوال، لضمان حصول الفائدة المرجوّة من الإلحاد.

وبعيداً عن النظرة الكلاسيكية للإلحاد باعتبارها إنكاراً لوجود الله، فإنني أقول إنّ الإلحاد يهدف في المقام الأول إلى اعتبار أنّ القداسة الوحيدة هي للإنسان نفسه، وذلك من حيث هو كائن واع ومُدرك وصاحب ملكات يجب أن تُحترم وأن تؤخذ في الاعتبار، ويرى الإلحاد أنّ الهدف الأسمى والأوحد لوجود الإنسان –إضافة إلى وجوده نفسه- هو أن يبحث عن الحقيقة، هذا إن قمنا بفصل الوجود عن هذه الحقيقة؛ إذ أنّ أكبر مشكلات الإلحاد هي اعتبار البحث عن الحقيقة مرتبطة بالوجود الإنساني ومتسلسلة عنه أو منه، وصولاً إلى معرفة الإنسان لنفسه كجزء لا يتجزأ من الحقيقة من ناحية، واعتبار الوجود مرتبطاً بهذه المعرفة من ناحية أخرى، وفي كل ما تقدّم يظل المُقدّس الأعظم "الله" بعيداً عن نطاق النظرية الإلحادية، ولكنه لا يظل طويلاً منفصلاً عنها، بل تُفضي إليه جميع السُبل البحثية والعقلية، كنتيجة حتمية لتسلسل التأملات والتساؤلات الوجودية والذهنية.

المُلحد الحق، ليس هو الساعي دوماً إلى نفي وجود الله، وإنما هو الساعي دوماً إلى إثبات وجود الإنسان وحريّته التي ظلّت الخرافات والأساطير والديانات تُحاصره وتُخفيه وراء حجاب من المخاوف غير المنطقية والمرتبطة بالماورائيات. وبين عملية النفي والإثبات هذه يبدو الإلحاد في شكل صراع بين الإنسان والله، وكأن وجود أحدهما ينفي الآخر. ويعتقد البعض أنّ وجود الله لا ينفي الإنسان وحريّته، ويجد من الصعوبة اعتبار هذا الأمر إحدى إشكاليته الأساسية، في حين أنّ وجود الإنسان من المحتمل أن يعتبر وجود الله إحدى مشكلاته الكبرى؛ في حين أن حقيقة الأمر ليست كذلك على الإطلاق.

إحدى قضايا الإلحاد الأساسية متمثلة في المطالبة بحريّة اللااعتقاد في مقابل حريّة الاعتقاد من مُنطلق أنّ الشيء لا يقوم ولا يُعرف إلا بضدّه، فكما أنّ الشر ضرورة لوجود الخير، وكما أنّ الخوف ضرورة لوجود الطمأنينة، وكما أنّ اليأس ضرورة لوجود الأمل؛ فكذلك لا يقوم الاعتقاد إلا بوجود اللااعتقاد.

لا أحد يُمكنه وصف عملٍ ما بأن خير، إلا بمقاربة العمل نفسه بضدّه؛ وإلا فكيف نعرف الكرم إن لم يكن هنالك بُخل، أو كيف نعرف الشجاعة إن لم يكن هناك جُبن. هذا التضاد هو في حدّ ذاته حقيقة؛ حقيقة متجددة وحيوية تقوم عليها الحياة كلها، وتسير عليها قوانين الطبيعة والفيزياء والأحياء، ولا يُمكن الاستغناء أو إلغاء هذا التضاد أو الاستعاضة عنه بقانون آخر، وإلا اختلت موازين الكون.

ومن غير المتوقع وضع هذا التضاد في ميزان الأحكام العُليا والمُطلقة، على اعتبار أنّ أخلاقية الشيء تعني لاأخلاقية ضدّه؛ فلا يُمكن أن نقول مثلاً: "إذا كان الاعتقاد خيراً، فإن اللااعتقاد شر" لأن معايير الخير والشر معايير غير ثابتة على الإطلاق، فما نراه صحيحاً وخيراً، قد يراه الآخر خاطئاً وشراً بالمقابل.

هذا المفهوم المتقدّم للشيء وضدّه لا يحدث إلا عبر التحرر من المقدّس الذي يجعلنا نرى الخير خيراً مطلقاً، ونرى الشر شراً مطلقاً، وهي ذات القداسة التي وضعت الملائكة في مقابل الشياطين، والجنة في مقابل النار، والإيمان في مقابل الكُفر؛ ولا ننكر أنّ هذا ميزان، ولكنه في النهاية ميزان أعوج، لأن ينفي الآخر، ولا يضعه في اعتباره إلا من حيث ضدّ، دون أن يسمح للضد بأن يكون صحيحاً نسبياً.

ومن هذا المنطلق فإنّ الحرية لا يُمكن اعتبارها شيئاً مقدساً قائماً بذاته دون وجود الإنسان الحُر نفسه، ولأن الإنسان ليس مجرّد الفرد، فإن الحريّة تتعدى قضايا الحريّة الفردية إلى آفاق أكبر وأوسع بكثير من إطار الفرد الضيّق إلى الإنسان من حيث هو ضدّ لهذه الحريّة، أو بمعنى آخر سبب لوجودها، ولأن الشيء لا يُعرف إلا بضدّه، فإن وجود الإنسان مرتبط بوجود الحريّة بالمقابل.

الشيء المقدّس هو الشيء المنزّه عن الخطأ وعن العلّة والاعتلال، سواء بذاته أو بعلّة أخرى، ولذا فإن المُقدّس غامض، ومجهول لأنه غير مطروق وغير متاح، وبالتالي فالمُقدّس غير قابل للنقاش، وغير قابل للنقد، وهو فوق ذلك ليس له ضدّ، أو أنّ ضدّه لا يكون سبباً في وجوده، وهو ما ينفي مبدأ الحريّة وينسفها من الأساس، بل وينسف قانون التضاد الذي تقوم عليه قوانين الكون والطبيعة؛ ومن هنا كانت الفكرة الإلحادية مؤدية إلى الله.

تختلف المذاهب الإلحادية في تعاطيها مع فكرة الإلحاد ومفهومه، وقد شهدنا بعض التيارات الإلحادية التي اتخذت مواقف متطرفة من بعض قضايا الإلحاد حتى أُصيبت بالدوغمائية هي الأخرى، ومن قبل عرفنا أنّ بعض الملحدين وقعوا في شرك الإفراط في الحرية أو التفريط في القداسة حتى أُصيبت بأحدهما، وكانت محسوبة على الفكر الإلحادي بشكله العام.

وسواء نأى الملحدون عن تناول نفي/إثبات وجود الله، فإن القضية الإلحادية الكبرى تظل بعيدة عن هذه النقطة بالكُليّة، فليس واجب المُلحد أن ينفي وجود الله، لأنه إن حدث ذلك فسوف ينتفي مبدأ الحريّة والتي هي اشتراط لوجوده هو نفسه، ولكن نفي الله يحدث بصورة تلقائية عبر سلسلة من المقولات المنطقية والذهنية، المُدعّمة بسلسلة من النظريات والحقائق العلمية التي تقودنا مباشرة إلى سؤالٍ لا مناص منه حول وجود أو لا وجود الله؛ إذن فالملحد لا يبحث –في سعيه- إلى نفي وجود الله، وإنما يقوده إلى ذلك التسلسل المنطقي الذي يتبعه في طريقه لمعرفة نفسه عبر معرفة الحقيقة؛ ولذا فإن المُلحد هو باحث عن الحقيقة في المقام الأول.

إحدى الطرائق المنطقية التي يتبعها بعض المُلحدون في بحثهم عن الحقيقة تبدأ من تساؤلات فلسفية حول الأخلاق (الخير والشر) وتنتهي بهم هذه التساؤلات إلى المواجهة المباشرة أمام "الله" (هل الله خير أم شر؟) ولكن التعاطي مع قضية مثل هذه لا يُمكن قيادتها بسطحية، إلا عبر معرفة كاملة ودقيقة لعلم المنطق، وعبر معرفة –كذلك- لفلسفة الأخلاق؛ فإذا كان الله خيراً، فمن أين جاء الشر؟ من الشيطان؟ ومن الذي خلق الشيطان أليس الله؟ فلماذا يخلق الله الشر؟ هل يخلق الخير شراً؟ إذن فهو قادر على صناعة الشر، فلماذا يدعونا إلى الخير إذا لم يكن هو خيراً مطلقاً؟

مثل هذه التساؤلات –وغيرها- من شأنها أن تضعنا مباشرة أمام إحدى أكثر قضايا الإلحاد تعقيداً وأهمية، ولكنها ليست أهمها على الإطلاق. فالإلحاد لا يتناقش حول الله مباشرة، وإنما قد ينتهي إليه بالطريقة التسلسلية المنطقية. الإلحاد يُناقش الإنسان ووجوده وحريّته، وبالتالي يُناقش المجتمعات والثقافات، وبالتالي يُناقش الظواهر، وبالتالي يُناقش الديانات والأفكار والمعتقدات. وإلى هذا الحد يظهر التمايز بين من ينكرون وجود الله، وبين من لا يؤمنون بوجوده.

محاولة لتفكيك خرافة البعث والحساب

البعث، في المفهوم الديني، خطوة أساسية سابقة على خطوة أكثر أهمية يقوم عليها مفهوم العدالة الإلهية وهو مفهوم الحساب الذي يُعتبر المُحصّلة النهائية للنشاطات الدنيوية [الجزاء/العقاب]؛ وبالتالي فهو محصلة للحكمة الأساسية من مفهوم الخلق والوجود والقائم بدوره على فكرة الاستخلاف في الأرض، ولذلك فإن كثيرًا من رجال الدين يرون أن الدنيا ما هي إلا دار امتحان وزراعة، بينما الآخرة هي دار المقر والحصاد، وهو ما دعا إليه الأنبياء والرسل كذلك؛ وفي ذلك نقرأ من كلام محمد قوله: "كن في الدنيا كأنك عابر سبيل" وهو ما يتوافق مع النسق القرآني في التعامل مع الحياة في الكثير من النصوص؛ فنقرأ مثلًا

{{وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}} [آل عمران:185]
{{وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الأخيرة خير}} [الأنعام:32]
{{وما هذه الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وإن الدار الآخر لهي الحيوان}} [العنكبوت:64]
{{فلا تغرنكم الحياة الدنيا}} [لقمان:33]
{{يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار}} [غافر:39]
{{اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد}} [الحديد:20]

وهذا المبدأ في الرؤية الدونية للدنيا هو ما أوجد مذاهب التصوّف والزهد في الحقيقة بجميع أصنافها سواء تلك المتعلقة بالألوهية أو المنفصلة عنها، وكلها تتفق على أن ملذات الحياة والسعي وراءها هو سبب شقاء البشرية؛ كما نجده في البوذية التي تدعو إلى التخلّص من هذه الملذات كوسيلة رئيسية للحصول على السعادة الحقيقية.

البعث والإيمان به متضمنان في أركان الإيمان الست؛ حيث لا يُمكنك الإيمان باليوم الآخر إلا عبر الإيمان بأن الله قادر على إعادة بعث الموتى، وهنالك نصوص كثيرة في إثبات البعث، ومنها ما جاء مرتبطًا بمفهوم الحساب، ومنها ما جاء في سياق الاستدلال على القدرة الإلهية في إحياء الموتى؛ فنقرأ على سبيل المثال وليس الحصر:

{{وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور}} [الحج:7]
{{وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت}} [الانفطار:4]
{{أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور}} [العاديات:9]
{{ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون}} [يس:51]
{{خاشعة أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر}} [القمر:7]
{{يوم يخرجون من الأجداث سراعٍا}} [المعارج:43]

وهنالك العديد من الآيات التي تؤكد على عملية البعث، وبعضها كما قلنا يأتي في سياق تبيان القدرة الإلهية على إعادة الخلق والبعث، ومن ذلك قوله:

{{بلى قادرين على أن نسوّي بنانه}} [القيامة:4]
{{أليس ذلك بقادر على أن يُحيي الموتى}} [القيامة:40]

مما تقدم نفهم أن مبدأ البعث ثم الحساب هو من المبادئ الأساسية الراسخة في الفكر الديني، ويأتي هذا الرسوخ كما تقدم من حيث أنه مرتبط بمفهوم العدالة الإلهية؛ ومن أجل ذلك فإن غالبية المؤمنين يعتمدون في إيمانهم اليقيني بفكرة الله ووجوده على هذا الأمر، فهو أحد أدلتهم القوية على ضرورة وجود الله، حيث يرون أنه لا مناص من الإيفاء باستحقاقات العباد والخلائق؛ وإلا فإنه سوف يتساوى المجرمون والمتقون، الأشرار والأبرار، وفي ذلك قدح مباشر بالعدالة الإلهية، فيأتي مفهوم الحساب ليدعم هذه القاعدة بشكل مباشر.

مفهوم الحساب كذلك مفهوم راسخ وفيه الكثير من التفاصيل؛ إذ يقوم على مبدأين أساسيين: [1] سرعة الحساب [2] عدالة الحساب، أما عن سرعة الحساب فإنه يأتي في سياق احتمالات تأملنا في إمكانية إنجاز محاسبة هذا العدد الهائل من البشرية والمخلوقات والمدة التي يتطلبها هذا العمل، والحقيقة أن هنالك اختلافاً في الروايات التي تتناول مسألة الحساب على النحو التالي:

[1] الحساب الميزاني: وهو يقوم بوضع ميزان له كفتان؛ فكفة توضع فيها الحسنات وكفة توضع فيه السيئات وبمقارنة الحسنات مع السيئات يكون الحكم على الإنسان؛ فإما إلى الجنة وإما إلى النار. ونجد على هذا النوع أدلة نكتفي منها بما يلي:
{{والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون}} [الأعراف:8]
{{ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم}} [الأعراف:9]

[2] الحساب الصحائفي: وهو يعتمد على أسلوب نشر الصحائف ويكون التقييم فيها بناءً على اليد التي يستلم بها الإنسان صحيفته، فمن يستلم صحيفته بيده اليمنى فهو من المفلحين، ومن يستلمها بشماله فهو من الخاسرين، والأدلة على هذا النوع كثيرة نكتفي بها على ما يلي:
{{فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه}} [الحاقة:19]
{{فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا (*) وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا}} [الانشقاق:7/11]

[3] الحساب الشخصي: وهو يقوم على اللقاء المباشر بالله والمحاججة، ويُسمّيه رجال الدين بالعرض، وهذه ورد فيها من الأثر أدلة كثيرة نقتصر منها على ما جاء في الصحيحين:
+ حديث عدي بن حاتم: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار، تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة"
+ حديث عائشة بنت أبي بكر: "من نوقش الحساب يوم القيامة عُذب" فقالت عائشة:"يا رسول الله، ألم يقل الله : {{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}}؟ فقال: "يا عائشة ليس ذلك هو الحساب إنما ذلك هو العرض فمن نوقش الحساب يوم القيامة عذب."

[4] الحساب الصراطي: وهو بأن يوضع صراط على النار ويكون مرور الناس على الصراط حسب أعمالهم، فمن كان من أهل النار فإنه ينزلق ويقع في النار، ومن كان من أهل الجنة فإنه يمر، فيكون مرور الناس على الصراط حسب أعمالهم كما دلت على ذلك النصوص الدينية، والذي نكتفي منه بما يلي:
{{وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً}} [مريم:71]
+ حديث أبي هريرة المروي في صحيح البخاري: "ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ؛ اللهم: سلم سلم . وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم المؤمن يبقى بعمله، أو الموبق بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى" الحديث
+ حديث أبي هريرة المروي في صحيح مسلم: "فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق ؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر، ويرجع في طرفة عين ؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشد الرجال تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب - جمع كَلُّوب حديدة معطوفة الرأس – معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس في النار" الحديث.

ولا علم لنا بترتيب هذه الأحداث، فهي ليست على وجهها الذي تقدم، وإن كنا نرى أن تعدد أنواع الحساب يُدخلنا في بعض التضارب؛ إذ لا حاجة للحساب الشخصي إذا أخذ أحدنا كتابه بيمينه أو من وراء ظهره مثلاً، ولا حاجة للحساب الميزاني إذا كان ثمة عرض، ولا حاجة للحساب على عمومه إذا كان أحدنا سيعلم مقعده من الجنة أو النار في قبره كما جاء بعض الأحاديث. والحقيقة أن كل ما تقدم لا يعنيني تناوله بالتمحيص والتدقيق، فربما وقف أحدكم على بعض نقاط التضارب والتناقض، فما يهمني في هذا المقال هو تناول فكرة البعث في حدّ ذاتها من حيث هي عملية إحياء للموتى، وأزعم أنه غير قابل للتحقق سواء أكان ذلك بالفعل الإلهي المُطلق: {كن} الذي لا يخضع لأي مقياس علمي أو بيولوجي تشريحي، أو كان عن ذلك عن طريق الإنبات المثبت في بعض النصوص:

{{والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يُعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا}} [نوح:16/17]
{{أليس ذلك بقادر على أن يُحيي الموتى}} [القيامة:40]
{{كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين}} [الأنبياء:104]
"كل ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يُركب" [المصدر: صحيح البخاري]
"ثم ينزل من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلي إلا عظم واحد وهو عجب الذنب من يُركب الخلق يوم القيامة" [المصدر: صحيح البخاري ومسلم]

أزعم أنه لا إمكانية لبعث البشر ولا أؤمن بذلك على الإطلاق، ولكني هنا سوف أحاول تقديم بعض الحجج على هذا الزعم، حتى لا يكون الأمر مجرّد رغبة مني في الاعتراض على الشيء فحسب، وسوف أعتمد في محاججتي هذه على أمرين، أولهما لا شأن له بالدين، وثانيهما أستند فيه على ما جاء في النصوص الدينية ما يُثبت أنه من الاستحالة حدوث عملية البعث وبالتالي الحساب، وفي كلتا المحاججتين سوف أعتمد على أسلوب التبسيط والاستسهال كما هي عادتي دائماً، فبالعقل الاستعانة ومنه ومن اللغة التوفيق.

[الحجة الأولى]
جسم الإنسان [وكذلك كل الكائنات الحيّة] تتكوّن من مواد عضوية، وبمجرّد أن يموت الكائن الحيّ يبدأ جسمه بالتحلل ويتحوّل مباشرة إلى أسمدة عضوية طبيعية تستفيد منه الطبيعة بشكل تلقائي فالنباتات التي تستفيد من هذه الأسمدة العضوية الطبيعية سوف تدخل هذه المواد العضوية في تركيبها بشكل مباشر، ولأن دورة الحياة لا تتوقف فإن السلسلة الغذائية بدورها لا تتوقف، فتتغذى الحيوانات العشبية على هذه النباتات المحتوية على المواد العضوية، وبالتالي فإن هذه المواد العضوية سوف تدخل كذلك في تركيب هذا الحيوان العشبي، وهذا الحيوان العشبي هو في الحقيقة واقع ضمن سلسلة الغذاء لحيوان آخر يتغذى على اللحوم، فتنتقل المواد العضوية للكائن العشبي المستمدة من النبات في جسمه، وتنتقل إلى الحيوان اللحومي كذلك، وهكذا فإن جسوم الكائنات الحيّة المتحللة تتحوّل بعد موتها إلى مواد عضوية تستفيد منها النبتات فتدخل في تكوينها، وإذا تغذى الحيوان العشبي عليها، تدخل هذه المواد العضوية في تركيبها، وإذا تغذى الحيوان اللحومي على الكائن العشبي فإنها أي المواد العضوية سوف تدخل في تركيبها، وعندما تقوم جراء الحيوان اللحومي بشرب حليب أمهاتها فإنها سوف تحصل مباشرة على المواد العضوية مباشرة، وهكذا فإن المواد العضوية التي كانت أحد مكوّنات الكائن الحيّ سوف تظل في انتقال مستمر بين الكائنات الحيّة دون توقف وهذا ما يُسمى بدورة الحياة، لأن موت الكائن حياة لكائن آخر. وقد تتحوّل المواد العضوية إلى مصدر من مصادر الطاقة كالفحم أو البترول فتدخل بذلك في دورة أخرى مختلفة تماماً، وعليه فإن المواد العضوية للكائن الحي لا تظل موجودة في التربة حتى يتم تجميعها وإعادة إنشائها كما في عملية البعث وإعادة الخلق، بل سيتطلب استخراج كائن واحد عدداً كبيراً ولا نهائياً من الكائنات والعمليات. وبالتأكيد ستظل مقولة [الله على كل شيء قدير] قادرة على التخلّص من هذه الحجة ودحضها تماماً، كما أن عملية البعث في المفهوم الديني لا تتوقف على الإنسان فقط بل تشمل كذلك الحيوانات ومن ذلك نقرأ:

{{وإذا الوحوش حشرت}} [التكوير:5]
{{وما من دابة في الأرض ولا طائر بجناحين إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يُحشرون}} [الأنعام:38]
+ حديث أبي هريرة: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" [المصدر: صحيح مسلم]
+ "يقضي الله بين خلقه الجن والإنس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى قال الله: (كونوا ترابا)، فعند ذلك يقول الكافر: {يا ليتني كنت تراباً) قال الشيخ الألباني: "صحيح"
+ قول ابن عباس: "يُحشر كل شيء حتى الذباب"

ومن الواضح أن فكرة القدرة الإلهية المطلقة تتقاطع في هذا المقام مع فكرة العدالة الإلهية المطلقة، ولذا فإنه من الطبيعي أن يقضي الله بعدالته المطلقة بين خلقه جميعاً، ونفهم من ذلك أن حتى الحيوانات لن تسلم من الحساب يوم القيامة، ورغم أنها لن تحاسب كحساب البشر وفقاً للتكليف، إلا أنه سوف تتم محاسبتها حسب مقدار تمييزها العقلي المحدود كما هو واضح من الأدلة السابقة؛ وعندها يُصبح من المنطقي أن يُبعث جميع الخلائق [الآكلون والمأكولون] باختلاف ترتيبهم في السلسلة الغذائية، وعندها تأتي الحجة الثانية.

[الحجة الثانية]
جسم الإنسان [وكذلك كل الكائنات الحيّة] مكوّن من خلايا حيّة، وهذه الخلايا في حركة دائمة وتغيّر دائم، فتموت ملايين الخلايا يومياً وتأتي مكانها ملايين الخلايا الجديدة، وهذه العملية، تعتمد في المقام الأول على عملية التغذية، وكل ما يتناوله الكائن الحيّ من غذاء يُصبح فيما بعد جزءاً أصيلاً من تركيبه الخلوي والعضوي، ولذلك ينصح الأطباء وأخصائيو التغذية بالاعتدال في تناول الوجبات وبالاهتمام بنوعية الغذاء الذي نتناوله لأنه سوف يُمثلنا فيما بعد. وعلى هذا فإن كل كائن حيّ هو عبارة عن الخلايا التي تتجدد باستمرار والتي هي في المقام الأول عبارة عن الغذاء التي يتناوله، وإذا حاولنا تبسيط الأمر واعتبرنا أن جسد الإنسان عبارة عن مكعبات صغيرة فإن كل وجبة تناولها تمثل واحدة من هذه المكعبات، وبتجمّع عدد وافر من هذه المكعبات يستمد الإنسان الحياة والطاقة والنمو التدريجي على مدار مراحل حياته. فإذا مات الإنسان فإن عملية إعادة إحيائه [والمرتبطة بعملية إعادة إحياء بقية الكائنات] سوف يكون مستحيلاً لأنه سيكون خصماً من رصيد المكعبات التي تكوّنه، وبالتالي فإننا سوف نصل في النهاية إلى إحياء [طفل صغير] قبل أن يتناول أيّ غذاء، هذا بالتأكيد إن نحن استثنينا عمليات التغذية التي حصل عليها الإنسان من أمه مباشرة، وفي هذه الحالة فإن الذين سوف يخرجون من قبورهم في الحقيقة سيكونون مجرّد أطفال لا حساب لهم، لأن غذائهم الذي سحب منهم في عمليات إعادة كائنات أخرى كان خصماً على تكوينهم العمري والعقلي، وبهذا يستحيل الحساب. ولنأخذ مثالاً للتوضيح:

[الإنسان = A50 + B50] حيث A يمثل الجزء النباتي من غذائه و B يمثل الجزء الحيواني منه.
الإنسان = A50 – A50 = نباتات كان الإنسان قد تغذى عليها
الإنسان = B50 – B50 = حيوانات كان الإنسان قد تغذى عليه
إذن
الإنسان = A50 – B50 = 0
وباختصار المعادلة بطريقة رياضية [الإنسان = 0]

وطالما أنه سوف يتم بعث الحيوانات لتقتص من بعضها البعض، فإنه لابد من استعادة موادها العضوية من جسد الإنسان نفسه أو من جسد حيوان آخر وبتكرار هذه العملية فإن الإنسان [على الأقل] سوف لن يكون على نفس الهيئة والعمر الذي مات عليه، لأنه لحظة موته كان عبارة عن قدر كبير من المواد العضوية المتحصلة من النباتات والحيوانات.

وإذا حاولنا احتساب الغذاء الأمومي الذي تناوله الطفل في بطن أمه فإننا سوف ندخل في سلسلة أخرى من العمليات لأن الغذاء الذي يعتمد عليه الطفل وهو في بطن أمه مستمد في أساسه من الغذاء التي كانت أمه تتناوله، وبالتالي فإننا سوف نجد استحالة كبيرة في إمكانية بعث أيّ شخص إلا عبر أمّه، وهي إلا عبر أمها، وهي إلا عبر أمها وهكذا نصل إلى سلسلة طويلة ممتدة إلى الخلية الحيوية الأولى، التي بإمكان الله بعثها ومحاسبتها كما يشاء.

إن فكرة العدالة الإلهية التي نجدها في المفهوم الديني عبر محاولته التأكيد على مدى هذه العدالة والنزاهة في إقامة الحق والإنصاف في الحقيقة تضع الفكر الديني نفسه في ورطة كبيرة، وبالضرورة فإنني يوماً ما قد أكون تغذيت على لحم حيوان مظلوم يريد أن يقتص له الله من ظالمه، أو أكون قد تغذيت على لحكم حيوان ظالم يجب أن يُقتص منه، وهكذا فإننا سنرى أنه من الاستحالة استخلاص المواد العضوية لهذه الكائنات دون أن يكون لذلك تأثير مباشر على الكائن الذي تغذى عليه، لأننا نعلم أن هذه المواد العضوية تدخل مباشرة في تركيب خلايا الكائن الحي وبالتالي حياته ونموه.

لم أرغب في هذا المقال الولوج في التفاصيل المطوّلة والمعقدة للعمليات الغذائية واكتفيت بإعطاء هذه اللمحة السريعة، كما أنني تجاوزتُ عن قصد الوقوف على تناقضات أنواع الحساب، وكيف أنها قد تتنافى مع مبدأ سرعة الحساب التي جاء ذكرها في كثير من النصوص الدينية، وتعارض هذا المبدأ نفسه مع كثير من المشاهد الواردة في الآثار الدينية عن يوم القيامة وصعوبته الذي تصوّره بعض الآثار في شكل تصبب العرق حسب الأعمال، وكيف أنه يتنافى مع قوله {وإذا الشمس كوّرت} فبعض النصوص تقول بأن الشموس والنجوم سوف تطمس يوم القيامة كواحدة من المشاهد المروّعة لهذا اليوم، ونصوص أخرى تقول أن الشمس ستدنو من البشر فتكون على مسافة أقرب بكثير مما هي عليه اليوم. على أية حال فإن هذا جهد المُقل، لا أريد به شيئاً إلا تحريك بعض سواكن العقل الديني الذي بإمكانه الإيمان حتى بما لا يُمكن الإيمان به، فمسألة الحساب لا تعادل ثيمة العدالة على الإطلاق، فالعدالة نفسها مرتبطة بالفورية في القصاص، ولو أن أحدنا توجّه إلى مخفر الشرطة ليشتكي من تهجم بعض الأشخاص عليه، فإنه يتوقع سرعة الثأر والقصاص، لا أن يُطلب منه الانتظار حتى ما بعد الموت.

محاولة لتبسيط العالمانية

مما لاشك فيه أن مفهوم العالمانية [Secularism] هو من أكثر من المفاهيم غموضاً وتهويماً ضمن عدد من المفاهيم السياسية والفكرية الأخرى؛ لاسيما مع ما يتعرّض له هذا المفهوم من محاربة وتشويه، كغيره من المفاهيم التي تم تشويهها بنوايا مُسبّقة، الغرض منها تحييد هذه المفاهيم عن العقلية العربية دفاعاً عن المصالح الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو كل المصالح الآنفة مجتمعة. وفي الوقت الذي نشهد فيه نوعاً من الانفتاح على جميع الأصعدة، وتجدد دعاوى تجديد الخطاب الديني؛ لاسيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي سلطت الضوء على الإسلام السياسي ومفهومه بشكل عميق وحذر للغاية، الأمر الذي جعل مجموعة من المفكرين الإسلاميين والدعاة يرغبون في تقديم بعض التنازلات الشكلية في سبيل كسر حدّة الهجوم الذي يتعرض له الاتجاه الإسلامي بشكل عام، والسياسي منه بشكل خاص؛ إلا أننا ما نزال نشهد تنامي النهج التكفيري وتأصله في العقلية الإسلامية مما يجعل هذا السلاح هو الأمضى حتى بين أوساط الاتجاه المعتدل الذي برز إلى الساحة الفكرية والسياسية كنتيجة حتمية للمواقف والأحداث التي شهدتها المنطقة [وما تزال] منذ السنوات العشر الماضية؛ وتحديداً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وظهور مصطلح الإرهاب والتصاقه بالإسلام والتيارات الإسلامية السياسية على وجه خاص.

يأتي ظهور التيار الإسلامي المعتدل الداعي إلى حوار الأديان ونبذ العنف والتعايش السلمي كنتيجة حتمية لهذه الأحداث ظاهرةً طارئة، بمعنى أنها ليست أصيلة في ميكانيزم التفكير الديني بشكل عام والإسلامي بشكل خاص، الأمر الذي يجعلنا لا نثق به كثيراً لأسباب سوف يتضمنها هذا المقال بشكل تلقائي ومفصّل؛ وربما كان موقف التيارات الإسلامية من العالمانية أكثر الأدلة وضوحاً وتأكيداً على صحة هذا القول. فالنقد الذي تقدمه هذه التيارات للعالمانية قائم في أساسه على فهم خاطئ للعالمانية، وأزعم أن هذا الفهم الخاطئ مقصود بعينه، أو على أقل التقديرات فإن الفهم الصحيح للعالمانية من قبل هذه التيارات يكشف عن سوء نوايا هذه التيارات وزيف ادعائها للاعتدال والانفتاح على الآخر.

قدم كثير من المفكرين العرب وغير العرب إسهامات عديدة في شأن شرح العالمانية وإيضاحها، ولا ننسى على الإطلاق إسهامات كل من: جورج طرابيشي ومحمد أركون وبرهان غليون وغيرهم كثيرون في هذا الصدد، ولكن ورغم عشرات [بل مئات المؤلفات] عن العالمانية وأنساقها واشتراطاتها؛ إلا أننا نجد أنها، في الذهنية الإسلامية، لا تظل المقابل الفعلي للكفر؛ وبالتالي فإن العالمانية في نظرهم تعني بالضرورة مُعاداة الإسلام، وأحد الوسائل الغربية للتخلّص من الإسلام، ومما لاشك فيه أن نظرية المؤامرة المتجذرة في الفكر الديني الإسلامي ساعدت كثيراً في ترسيخ هذه الصورة المغلوطة عن العالمانية، وأصبح الأمر ملتبساً للغاية حتى باتت العالمانية العدو الأول للإسلام والمسلمين والذي أصبح الجهاد ضده في مقام الواجب المقدّس.

لاشك أن محاولات إيضاح مفهوم العالمانية، ومحاولات إزالة اللبس، وتصحيح الصورة، والنفخ على غبار التشويه لإظهار حقيقة العالمانية تبدو مستحيلة في ظل التحفز الدائم الذي يعتري الذهنية الإسلامية المتمترسة خلف حجاب ثخين جداً من الرفض للآخر، وتسلّط فكرة المؤامرة عليه. فهل بإمكاننا القول بأن المفكرين العرب أخفقوا في نقل مفهوم العالمانية فعلاً؟ أم يُمكننا إرجاء الأمر إلى العقلية الإسلامية ذاتها الرافضة لكل ما هو غربي؟ من الواضح أن الأمر لا يخلو من الاثنين معاً، فمن ناحية فإن اللغة التي استخدمها المفكرون في تناول مفهوم العالمانية كانت لغة مستعلية للغاية، بحيث يصبح معها قبول فكرة العالمانية مستحيلاً لأنها لا تصل بالكامل، ومن شأننا أن نعلم أن العقلية الإسلامية ترفض على الدوام تلك الأفكار المُصاغة بطريقة عقلانية وفكرية جادة وممنهجة، لأنها تشعر حياله بالعجز عن النقد الموضوعي، فتلجأ إلى رفضه بالجُملة، يُساعدها في ذلك الخطاب الديني الإقصائي الذي يلجأ إلى استخدام سلاح التكفير لكل ما من شأنه أن يمس بمصالح الطبقة الدينية سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو على أيّ مستوى آخر.

ويبدو كذلك أن سلاح التفكير أثبت نجاعته في محاربة العديد من المفاهيم، وبالتالي إقصائها وتحييد الذهنية الدينية عنها؛ فمن ناحية فهو سلاح سهل للغاية وبإمكان كل من يُريد استخدامه؛ لاسيما مع وجود نصوص مطاطية قابلة للتأويل والتفسير حسب المصلحة، وحسب مقتضى الحال، ومن ناحية أخرى فهو سلاح يعمل بطريقة مزدوجة فهو يقمع الآخر بقطب، ويستغل العاطفة الدينية بالقطب الآخر، والمواطن المسلم الواقع تحت سلطة رجال الدين يشعر في حقيقته بالضعف، بحيث يعتبر هؤلاء درع حماية له يقيه من الهرطقة والانفلات من وحدة العقل الجمعي الذي اعتاد عليه. يُصبح الخوف عنصراً آخراً يُضاف إلى العناصر الأساسية التي ساعدت في تشويه مفهوم العالمانية وصورتها في العقلية العربية بشكل عام والإسلامية بشكل أخص، دون أن ننسى أبداً أن طبقة رجال الدين [والمتمثلة في: المؤسسات الدينية والخطاب الديني] هم من أسهموا منذ البداية في تربية العقل الإسلامي على الخوف والاعتمادية.

نحن إذن نتكلم عن عقل غير حُر، عقل محكوم بخطاب ديني شمولي يفترض الصحة المطلقة، ويُقدم الحلول المستديمة في شكل تشريعات ونصوص قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، إضافة إلى اعتماد هذا الخطاب على عنصر الترهيب المقابل للترغيب، وهو كذلك محكوم بهيمنة مؤسسات شديدة القمع والتنكيل. كل هذه العوامل ساعدت كثيراً في بناء حاجز صلد تجاه فهم العالمانية واستيعابها؛ هذا إضافة إلى إشكاليات العقلية العربية، أو الشرقية عموماً، والتي تعاني من الخور والهزال الفكري حائلةً بذلك دون فهم واستيعاب القضايا الفكرية، وبالتالي إمكانية تناول هذه المفاهيم والتنظير لها وإعادة صياغتها، وكذلك عمليات التوفيق اللازمة لتطبيقها غير بعيد عن المنظومة الثقافية والاجتماعية، وهذه بالتحديد هي إشكالية المفكر العربي الذي يحاول كثيراً تطبيق نظريات وأفكار الغير، دون أن يُقدم إسهامات فعلية حول موائمة هذه الأفكار والمفاهيم مع البيئة الاجتماعية بكل مكوناتها وعناصرها، فالعقلية العربية هي عقلية مستهلكة وليست منتجة في الأساس؛ ومن هنا فإنني أقول: إن الأمر لا يخلو من العاملين معاً: فالخطأ يقع مناصفة بين العقلية الدينية الإسلامية وبين المفكرين العرب. سأحاول في هذا المقال أن أتناول مفهوم العالمانية بشيء من التبسيط، متمنياً ألا أقع في ذات الإشكالية التي أعيبها على من أسهموا في تقديم وعرض العالمانية من قبل.

وحتى نتمكن من تناول العالمانية بصورة مبسطة ويسيرة فإنه يتوجب علينا قبلاً أن نتطرق إلى مفهوم الديمقراطية؛ حيث أنه لا عالمانية ممكنة التطبيق بمنأى عن الديمقراطية، ويُخيّل إليّ أن المفهومان متلازمان بصورة تجعل من الاستحالة طرح أحدهما بمنأى عن الآخر، فهما وجهان لعملة واحدة، فما هي الديمقراطية؟ وما هي العالمانية؟ وكيف يرتبطان ببعضهما؟

الفهم المتيسّر عن الديمقراطية أنها [حكم الأغلبية] وفي الحقيقة فإن هذا التعريف هو مختزل إلى حد الاختلال، فحكم الأغلبية ليس هو الديمقراطية على الإطلاق إن لم يلازمه معرفة حقيقية لحقوق الأقلية والاعتراف بها، بحيث لا يُمكننا القول إن الأغلبية في النظام الديمقراطي تمارس دكتاتورية منظمة تجاه الأقليات، بل على العكس تماماً؛ تأتي الديمقراطية لتولي اهتمامها البالغ بشئون الأقليات ومناصرة لقضاياهم ومحافظة على حقوقهم، وأهم هذه الحقوق: حق التنظيم والمعارضة، وحق تقاسم السلطة والثروة. وعن الديمقراطية يقول جورج طرابيشي:

"النظام الديمقراطي قابل للتعريف بأنه شكل الحياة السياسية الذي يعطي أكبر قدر من الحرية لأكبر عدد، مع حمايته وإنتاجه في الوقت نفسه لأكبر تنوع ممكن. وواضح للعيان كم هو ناقص تعريف الديمقراطية بأنها سيادة الغالبية؛ فالديمقراطية من دون أن تتنكر لهذه السيادة إنما هي بالأحرى سياسة الاعتراف بالآخر" [في ثقافة الديمقراطية – سلسلة المفكر العربي، دار الطليعة – بيروت 1998 ص39]

وهنا يقف جورج طرابيشي على المبدأ الثالث الأكثر أهمية في مفهوم الديمقراطية، إضافة إلى سيادة الأغلبية وحقوق الأقليات؛ ألا وهو [مفهوم التعدد والتنوّع – Pluralism] فليس بإمكاننا تصوّر نظام ديمقراطي أُحادي يفتقر إلى التنوع الثقافي والسياسي والفكري؛ وإلا فإنه سيكون نظاماً شمولياً وإن قام بتطبيق المفاهيم الإجرائية للديمقراطية، وهنا بالتحديد يظهر الفارق النوعي الكبير بين مفهوم الديمقراطية وبين مفهوم الشورى، فمفهوم الشورى هو في حقيقته تطبيق إجرائي للديمقراطية داخل كيان أُحادي شمولي ذو رؤية ومنهج واحد لا يقبل التعددية، ولم يكن بوسعي أن أتجاوز هذا الأمر إلى مفهوم العالمانية قبل إجلائه، لأن كثيراً من الرافضين للديمقراطية، يرفضونه في الأساس لاعتقادهم أن هذا المفهوم متوفر في النظام الإسلامي، ولا حاجة لهم باستيراد مفاهيم غربية دخيلة، فكان لابد لنا من إيضاح الفارق الجوهري الكبير بين المفهومين.

والآن ما هي العالمانية؟ العالمانية ببساطة هو منهج لإدارة الدولة بنظام ديمقراطي تعددي [هل بإمكاني وضع Full Stop؟] بالتأكيد؛ فهذه هي العالمانية ببساطة دون اللجوء إلى منزلقات الدين وإقصاء الدين ورفضه ومحاربته، فهذا كله في الحقيقة من منتجات العقلية الدينية الرافضة للعالمانية، ولكن لماذا ترفض هذه العقليات العالمانية؟ في الحقيقة تبدو الإجابة واضحة للغاية، فمن خلال ما ذكرناه عن التعددية تبرز لنا الإجابة كأنصع ما يكون، فالدين في عمومه هو نظام أو نسق أُحادي لا يقبل التعددية، فكل دين يفترض أنه هو الأصح، وأنه يمتلك الحلول السحرية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى البيئية، وبالتالي فإنه تلقائياً يقوم بإقصاء الآخر، وهو ما يتناقض مع مفهوم الديمقراطية القائم في أساسه على التعدد والتنوع.

وقد نلاحظ أننا هنا لا نتكلم عن دين بعينه؛ وإنما نتكلم عن كل فكر أُحادي يرفض التعددية، وبالتالي فإن العالمانية لم تأتي في أساسها لمحاربة الدين؛ بل وإنها لا تهتم بهذا الأمر، وسوف نأتي إلى تبيان هذا الأمر لاحقاً، ولكننا هنا نتكلم عن رفض الديمقراطية العالمانية لفكرة الرأي الواحد والفكر الواحد والسُلطة الأُحادية؛ وإلى هذا الحد فإنه بإمكاننا القول: إذا كنتَ عزيزي المتديّن ترى أنك لا تختلف معنا كثيراً في هذه المسألة؛ فعليك إعادة النظر مُجدداً حول مفهومك للعالمانية، فما العالمانية إلا ما ذكرناه، وإذا كنتَ تُصر على ضرورة تفرّد دينك بالحكم والتشريع؛ فاعلم أن العيب كامن فيك وفي طريقة تفكيرك، وفي فهمك لمفهوم الدولة والديمقراطية، والعالمانية ستكون ضدك حماية للآخرين من إقصائك لهم، حتى وإن كان هؤلاء الآخرين أصحاب ديانات أخرى.

هل هذه هي العالمانية؟ في الحقيقة تلك هي الخطوط العريضة للعالمانية، فهي ليست ضد الدين، وهي ليست ضد دين بعينه، وإنما هي ضد تسلّط الفكر الواحد سواء كان ذلك فكراً دينياً أو وضعياً أو غيره، فهي ضد الإسلام إذا أراد الإسلام الانفراد بالحُكم لنفسه وإقصاء الآخرين، وهي ضد المسيحية إذا أرادت المسيحية الشيء ذاته، وهي ضد القوانين الوضعية إذا اعتبرت مقدسة وفرضت صلاحيتها الأبدية ولم تراعي متغيرات الزمان والمكان والحاجة، وهي ضد حُكم الفرد، فالعالمانية تريد نظاماً يستطيع فيه الجميع [بصرف النظر عن دياناتهم وأفكارهم ومعتقداتهم] أن يناولوا حقوقهم من إدارة الدولة وحقوقهم من ثروتها، بحيث لا يكون فيها الجميع محكومين بشرط واحد لا غير ألا وهو [المواطنة - Citizenship] وبالتأكيد فإن شرط المواطنة يمنح الحقوق كما يُلزم بواجبات في المقابل، فالجميع داخل الدولة العالمانية مُلزمون بنفس الواجبات بصرف النظر عن معتقداتهم، ومستحقون لنفس الحقوق أيضاً بصرف النظر عن معتقداتهم.

ولكن العالمانية لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما تتعداه لتضمن حرية الاعتقاد والتديّن، بل وتحميه بموجب القانون، فيحق لكل صاحب ديانة أن يمارس شعائره الدينية كما يحلوا له، دون أن يتدخل أيّ كان في منعه من ممارسة هذا الحق، ويحق له التبشير بمعتقده كيفما يشاء، فالعالمانية تؤمن تماماً بحرية الأديان وحرية التدين وكذلك حرية عدم التدين، ولكنها تشترط في مقابل ذلك ألا تتعارض حريات المتدينين أو غير المتدينين مع حريات الآخرين، ومن البديهي أن نعلم أن مفهوم الحرية نفسه مقيّد بحريات الآخرين، فأي سلوك يتم فيه التعدي على حريات الآخرين يُعتبر خرقاً لقانون الدولة لأنه تعدٍ على الآخر، وهو ما يُجرمه القانون. يصبح السؤال المؤرق هنا [هل بإمكان مجتمع علماني تعددي أن يخلو من المشكلات الطائفية والدينية؟]

هذا السؤال في الحقيقة مطروح لأصحاب الديانات وليس للدولة، ولا للنظام العلماني، فعجز أصحاب الديانات عن التعايش السلمي داخل دولة تكفل لهم حرية العبادة وممارسة الشعائر والدعوة والتبشير هو في الحقيقة شيء يُعاب على أصحاب هذه الديانات، وليس على الدولة أو على نظام حكمها، وعندها بإمكاننا أن نتأكد من مقولتنا أن الدين فوقي واستعلائي وإقصائي بطبيعته، والعقلية الدينية تعجز تماماً عن التعايش في مناخ ديمقراطي تعددي، بل وتعتبر ممارسة الآخرين لحرياتهم الدينية تعدياً على حرياته ومقدساته، وهنا يتوجب على هؤلاء مراجعة مفاهيمهم الخاصة عن الحريات من ناحية، ومراجعة مفاهيمهم الخاصة عن الدين من ناحية أخرى؛ فعندما يفهم هؤلاء أن الحرية هي ملك للجميع وأن الدين أمر شخصي يتعلق بعلاقة الإنسان الفرد بما يعتقده فعندئذ بإمكانه أن يتفهم معنى التعايش الديني السلمي، ويُصبح قادراً على التعاطي مع بيئة متعددة الديانات والثقافات؛ وعندئذ فإنه سوف لن يجد نفسه مضطراً إلى مهاجمة العالمانية واتهامها بأنها تحارب الدين.

من السهل على كل صاحب ديانة أن يدعي بأنه متصالح مع فكرة التعددية، ولكن الحقيقة غير ذلك على الإطلاق؛ فرفض العقلية الدينية للعالمانية نابع في حقيقته من خوفه من هذه التعددية، فهو يرى أن تشريعات دينه قد توفر حلول جذرية لكثير من المشكلات، ولكنه ينسى أن بإمكان صاحب كل ديانة أن يدعي الأمر ذاته، وعندها سوف لن نتمكن من الخروج من الدائرة المغلقة التي سوف يُدخلنا فيها نزعة الدين الأُحادية تلك، وبالتالي سوف يظل الأمر محصوراً في إطار الاعتقاد بأن رفض تطبيق التشريعي الديني المعيّن محاربة وإقصاءً لهذا التشريع؛ في حين أن الأمر هو كما أوضحناه سابقاً هو رفض للفكر الأحادي بشكل عام، وليس رفضاً لديانة بعينها. وعندما نتكلّم عن العالمانية؛ فإننا نتكلّم بالضرورة عن مجتمع متعدد بالضرورة به ديانات مختلفة وطوائف مختلفة وتيارات فكرية مختلفة، وبإمكان الدولة الدينية [الدولة التي تظهر إحصائيات سكانها أن 100% من سكانها يدينون بدين واحد] تطبيق المنهج العلماني كذلك، فالعالمانية نظام ليس ضد الدين، بل هو نظام إدارة الدولة التعددية.

وقد يبدو الأمر متناقضاً ولكن ربما يزول اللبس عندما نعلم أن داخل الدين الواحد توجد هنالك طوائف ومذاهب وتيارات متعددة، ومن الظلم والإجحاف أن تقوم طائفة واحدة بإدارة الدولة وإقصاء بقية الطوائف والمذاهب؛ وإلا سيكون النظام نظاماً شمولياً دكتاتورياً دون شك.

من هنا نعلم أنه بالإمكان تطبيق العالمانية داخل الدولة متعددة الثقافات سواء أكان أهلها يدينون بدين واحد أو بأكثر من ديانة، لأن طبيعة المجتمعات البشرية تمتاز بالتمايز والتباين والتفاوت في الأفكار والآراء والتوجهات حتى مع توحد المعتقدات، ومن هنا كذلك نفهم كيف أن مفهوم العالمانية لا يعني على الإطلاق محاربة الدين كما يُحاول الكثيرون إظهاره عليه، فجوهر العالمانية هو [إدارة الدولة التعددية] وفهمنا من قبل معنى التعددية سواء بديانات مختلفة أو داخل الديانة الواحدة، فالدولة المسلمة يجب أن تكون عالمانية حتى تتمكن التنوعات المذهبية والطائفية داخلها [السنة – الشيعة – الصوفية وغيرها] من الحصول على حقها سواء في الثروة أو في السُلطة، وكذلك الدولة المسيحية يجب أن تمكّن طوائفها الدينية من المشاركة في صنع القرار [كاثوليك – بروتستانت – أرثوذكس وغيرهم] دون أن يتم التطرق عندها إلى أيّ الطوائف يتبع المعتقد الصحيح أو يطبقه بالطريقة الصحيحة، فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة على الإطلاق، فهذه نظرة فوقية استعلائية. إذا كنتَ ترى أن ما تعتقد به صحيحاً، فليس من حق أحد أن يمنعك من الاعتقاد به، ولكن فقط لا تحاول فرضه على الآخرين، هذه هي الديمقراطية.

وفي نهاية هذا المقال الذي تناولت فيه مفهوم العالمانية بطريقة أرجو أن تكون مُبسّطة دون إخلال، فإنني سوف أعمد فيما يلي إلى تبسيط أكثر للعالمانية بإحالة المفهوم إلى نموذج حياتي معايش لضمان وصول الفكرة بشكلها الصحيح، ففكرة العالمانية مشابهة تماماً لفكرة منتخب كرة القدم؛ فالمنتخب القومي لأيّ دولة مكوّن من لاعبين ينتمون في الأساس إلى أندية مختلفة، هذه الأندية تظل في تنافس محموم بينها وبين بعضها عبر الدوريات والبطولات المحلية، ولكل ناد مؤسسيه ومشجعيه الذين قد يكونون متعصبين جداً لناديهم، تأتي فكرة المنتخب لتجمع (الصفوة) من لاعبي هذه الأندية فيتم اختيار حارس مرمى واحد هو الأفضل في نظر المدرب ضمن مجموعة حراس مرمى الأندية المحلية، ويختار مجموعة من المدافعين هم الأفضل ضمن مجموعة أكبر من مدافعي الأندية، ويختار مهاجمين ضمن مجموعة أكبر من مهاجمي وهدافي الأندية المحلية، وبذلك يتشكل منتخب الدولة القومي.

يتم اختيار اللاعبين هنا بناءً على معايير ليس لها أيّ علاقة بالولاء الرياضي لهذا النادي أو ذلك، بل وفق معايير موضوعية للغاية، ولا يلتفت مدرب المنتخب الوطني إلى أندية هؤلاء اللاعبين طالما أنهم يمتلكون الموهبة والمهارة التي يحتاجها للخانة المُحددة، وعلى مستوى الفرق المحلية يختلف هذا اللاعب مع هذا اللاعب كلٌ حسب ولائه لناديه، ولكنهما في المنتخب الوطني قد يكوّنا ثنائياً رائعاً؛ وهكذا هي العالمانية: يتم اختيار ممثلي الدولة والبرلمانيين والرئيس والمستشارين وأصحاب القرار بناءً على كفاءتهم السياسية، وليس بناءً على ديانتهم أو معتقدهم، يختلف هذا مع الآخر في دينه وفكره، ولكنهما في مهام الدولة وفي سبيل تحقيق مصلحة الدولة ومصلحة الشعب، فإنهما يعملان معاً وفق سياسة واحدة مشتركة. فأيّ دين قد يضمن ذلك؟ هذه هي العالمانية التي أعرفها، والتي أحرص كثيراً على تحقيقها في بلدي، أو أن أرى بلداً عربياً يُطبّقها بشكلها الصحيح.

إلى هذا الحد فإننا نعلم تماماً أن هنالك إخفاقات كبرى تنتج نظراً لتغليب البعض لمصالحه الشخصية على حساب الفكرة العبقرية للعالمانية، وقد نرى أُناساً يستغلون العالمانية لتحقيق أهداف شخصية، أو ربما نرى أو نسمع عن أشخاص يتكلمون عن العالمانية وهم لا يعرفون عنها سوى اسمها، فيسيئون إليها وإلى جوهرها، وقد تتعرض الفكرة في عمومها إلى إخفاقات نتيجة أخطاء تطبيقية إما لنقص في الخبرة السياسية، أو جهلاً بالأساسات النظرية والفكرية للعالمانية، أو قفزاً على الترتيبات الإجراءات التي يجب أن تتبع في سبيل تحقيق جوهر العالمانية، أو لأسباب أخرى؛ وفي هذا تتفق العالمانية مع غيرها من النظريات والأفكار المدهشة التي أساءت إليها التطبيقات الخاطئة؛ وهانحن نسمع حجج المسلمين الذين ما إن تواجههم بإخفاقات الدولة الإسلامية وعيوبها ومآسيها وإخفاقاتها عبر التاريخ الإسلامي الطويل، حتى يُردد دون انقطاع {العيب في التطبيق وليس في التشريع}؛ فما بالنا نرمي العالمانية في جوهرها ولا ننصفها بأن نرد عيوبها إلى مُطبقيها؟

الـــروح

الروح فيما تعارف عليه العامة هو: نفخ من هواء يتلبس الأجساد وتكون بها حياتها، وجاء في لسان العرب باب الجذر "ر.و.ح": الرُّوحُ، بالضم، في كلام العرب: النَّفْخُ، سمي رُوحاً لأَنه رِيحٌ يخرج من الرُّوحِ؛ ومنه قول ذي الرمة في نار اقْتَدَحَها وأَمر صاحبه بالنفخ فيها، فقال:
فقلت له: ارفعها إليك وأحيها روحك، واجعله لها قيتة قدرا

أي أحيها بنفخك؛ وعلى هذا فهذا الهواء المنفوخ من مصدر ما له خاصية الإحياء وهو على الأرجح مصدر الحياة الذي بزواله تنتهي الحياة، فيقال في كلام العرب عن الميّت بأنه: "أسلم الروح إلى باريها" أي خالقها أو نافخها، وهو المصدر كما جاء أعلاه، ويُقال: "خرجت روحه" أو "صعدت روحه" وكلها تأتي بمعاني تدل على الموت وتوقف الحياة، وهي بذلك –أي الروح- مصدر الحياة والحركة في الأجساد الحيّة، وخروجها من هذه الأجساد يكون سبباً مباشراً في موتها وانتفاء حياتها.

وارتباط الحياة بالروح على ما يبدو مرتبط بالأجساد البشرية والكائنات الحيّة المادية المحسوسة، لأن بقية الكائنات غير المرئية كالملائكة والشياطين والجن ليست لها أرواح لأنها لا تمتلك أجساداً في الأصل، ومن هنا تتوّلد أولى الأسئلة المتعلقة بالروح: أيّهما متعلّق بوجود الآخر: هل وجود الأرواح متعلّق بوجود الأجساد أم العكس. وقبل أن نحاول الإجابة على هذا السؤال، لابد أن نتفق على جزئية سبقت الإشارة إليها سابقاً وهي: ارتباط الأرواح بذوات الأجساد المادية: كالإنسان والحيوانات والحشرات فكلها مخلوقات مادية محسوسة، وكلها ذوات أرواح كما أشارت بعض الأحاديث النبوية وفي ذلك قال ابن أبي زيد في مقدمة الرسالة: "وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه. واحتج له صاحب"كفاية الطالب الرباني في شرح الرسالة بحديث الطبراني: أن ملك الموت قال للنبي صلى الله عليه وسلم : والله يا محمد لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو أذن بقبضها" (من موقع الشبكة الإسلامية)

فمما لاشك فيه أن الكائنات الحيّة جميعها تستمد حياتها وحيويتها من الروح التي تتلبس أجسادها، وأن خروج هذه الروح تتسبب في مواتها ولاشك. وفي هذا المبحث المتواضع أحاول إيضاح ما قد يُمكن معالجته بالنقاش الجاد حول مسألة الروح التي هي إحدى الاختلاقات الكبرى التي اخترعتها العقلية البشرية في محاولة لتفسير ظاهرة الحياة والموت، وهي إحدى أهم وأقدم الظواهر التي شغلت البشرية لقرون طويلة جداً، تماماً كتلك المحاولات التي حاولت من قبل إيجاد تفسيرات لظواهر أخرى كالبراكين والزلازل والأمطار والفيضانات، وهي ذات المحاولات التي تجعل بعضنا يغوص أكثر ليُجيب عن تساؤلات ما بعد الموت، ويقترح مشروع الحياة بعد الموت، ليخضع هذا المشروع الميتافيزيقي لإضافات وتعديلات على مر الديانات السماوية والثقافات الدينية المتعددة.

أقول إن الروح كائن لا وجود له على الإطلاق، بل هو مختلق تماماً كبقية المخلوقات المتوهمة: كالشياطين والملائكة والجن والعفاريت وبقية المخلوقات التي لا وجود لها إلا في أخيلة العقليات المتأثرة بالخرافة، وهي ذات الأخيلة العاجزة حقيقة عن تقديم تفسيرات علمية ومنطقية للظواهر الكونية المحيطة بالإنسان. والواقع أن فكرة وجود كائن هوائي يكون مصدراً للحياة هو تفسير بدائي ومتخلف جداً لظاهرة تعتمد على قوانين علمية غاية في الدقة والتعقيد.

وإن من أولى المشكلات التي قد تواجهنا في نقد هذا المشروع الهلامي هو مستنسخات هذا المشروع نفسه، ومحاولات تجاوز الورطة العلمية والمنطقية بتفسيرات أكثر سخافة، وتقسيمات ما هي في الحقيقة إلا ضرب من الوهم، أو التوهّم: كالتفريق بين الروح والنفس، وكلاهما عندنا ليس بذا قيمة علمية حقيقة تذكر، فكلاهما مخلوقات لا وجود لها إلا في تلك الأخيلة المهووسة بالخرافة والماورائيات. وهذا التفريق في واقعه يضع أصحاب هذا المشروع في محك يصعب الفكاك منه على المستوى التطبيقي، فكل نظرية غير قابلة للتجريب والتطبيق هي نظرية فاشلة علمياً.

والحقيقة أن حتى الكائنات التي لا توجد لها أرواح هوائية منفوخة قادرة على الحياة واستمداد هذه القدرة من الطبيعة نفسها، عير قوانين ثابتة لا تتغيّر، وهي في ذات الوقت قابلة للدراسة والتمحيص؛ ومن ثم إعطائنا أدلة تُمكننا من القياس. فالنباتات كائنات لاروحية (إن جاز هذا التعبير) ورغم ذلك فهي كائنات حيّة بكل ما تعنيه كلمة (الحياة) من معنى: فهي تنمو وتكبر وتتكاثر وتتنفس وتتغذى وتخرج الفضلات، بل وإنها تتحرك أيضاً. ومن قالوا بروحانية الكائنات لم يُحرّموا -فيما حرّموا- رسم النباتات في الوقت الذي حرّموا فيه رسم (ذوات الأرواح)، كما ذكر الشيخ ابن باز في قوله: "الرسم له معنيان : أحدهما رسم الصور ذوات الأرواح ، وهذا جاءت السنة بتحريمه ، فلا يجوز الرسم الذي هو رسم ذوات الأرواح ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " كل مصوّر في النار " وقوله صلى الله عليه وسلم : " أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ، الذين يضاهئون بخلق الله " ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم " ولأنه صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله ، ولعن المصور ، فدل ذلك على تحريم التصوير ، وفسر العلماء ذلك بأنه تصوير ذوات الأرواح من الدواب والإنسان والطيور . أما رسم ما لا روح فيه ـ وهو المعنى الثاني ـ فهذا لا حرج فيه كرسم الجبل والشجر والطائرة والسيارة وأشباه ذلك ، لا حرج فيه عند أهل العلم" (من كتابه نور على الدرب ص 202)

والواقع أن هنالك مفهوماً خاطئاً للحياة من ناحية، ولآلية هذه الحياة وصيرورتها من ناحية أخرى. وافتراض وجود كائن هوائي أو روحي يكون مصدراً لهذه الحياة هو اختزال مخل لعمليات وقوانين حيوية وطويلة ومعقدة، هذا إضافة إلى أنه لا يستند على أيّ سند علمي أو منطقي مريح. وقد أرهقت فكرة خروج الروح من الجسد هذه عقول الكثيرين منذ أزمان سحيقة، حتى أن الأستاذ هادي العلوي يذكر لنا في كتابه (من تاريخ التعذيب في الإسلام) بعض المحاولات التي كان الوليد بن عبد الملك يقوم بها لإخراج الروح من منفذ آخر غير الفم في تعذيبه للبعض، وذلك على أساس أن خروج الروح من الفم أمر مفروغ منه، فكان يدفن الشخص من رأسه في حفرة ثم يأمر فيُهال عليه التراب، ثم يوطأ التراب بالأقدام، فلا تجد الروح مخرجاً آخر إلا دبر المعذب، ما يُوحي بأن الأرواح بحاجة لمنفذ للدخول والخروج، وهذا ما يطرح سؤالاً آخر عن سبب عدم خروج الروح في حالات التثاؤب أو التجشؤ مثلاً طالما أن هذه المنافذ مفتوحاً! وقد لا يعجز الماورائيون عن سد ثغرة كهذه متحججين بأن مسألة دخول/خروج الروح لا تتم إلا بأمر إلهي فوقي.

والسؤال عن أسبقية الأجساد على الأرواح أو العكس ليس من فقط من قبيل تجديد الخطاب الفلسفي الأزلي (أيهما أزلي الروح أم المادة؟) بل هو من قبيل استنطاق الواقع الخرافي للقائلين بوجود هذه الأرواح. فإذا كانت الأجساد اللطيفة: كأجساد الملائكة النورانية، وأجساد الشياطين النارية هي أجساداً في حدّ ذاتها، فإن ثمة إمكانية لبقاء أجساد بلا أرواح، وبما أن الجسد مادة فإن الشياطين والملائكة ليسوا أجساداً بل أرواحاً أو كائنات لطيفة كما تعارفوا على تسميتها، وهو الأمر الذي يجعلنا نرجّح ضرورة أسبقية الأجساد على الأرواح، وإلا فما الحكمة من خلق أرواح ومن ثم التفكير في حبس هذه الأرواح داخل أجساد؟ بل وما الحكمة أصلاً من خلق أجساد غير قادرة على الحياة إلا بواسطة أرواح؟

إن قولنا بروحانية الأجساد اللطيفة أو الكائنات اللطيفة (الملائكة/الشيطانين) يجعلنا نتساءل عن سبب اختصاص الإنسان والكائنات المادية الأخرى: حيوانات وحشرات بهذه الخاصية الروحانية: عدم قدرتهم على الحياة بلا أرواح! أو يجعلنا على الجانب الآخر نتساءل ما إذا كانت هنالك إمكانية لوجود أجساد غير مرئية وبالتالي إمكانية أن يكون لكل من الملائكة والشياطين أرواح بدلالة أن كل منهم يطاله الموت في النهاية {{ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}}[الزمر: 68] وكذلك: {{كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}}[الرحمن: 26/27] أو أن نقول بأن الموت والحياة لا شأن لهما بدخول أو خروج الروح.

ومن شأن العقلية الماورائية أن تؤمن بأن هذه الأرواح التي خرج من الأجساد عند الموت تعود إليها مرّة أخرى عند البعث لتسكنها من جديد، ويُضاف إلى ذلك حساسية هذه الأجساد الجديدة لتقبّل النعيم والعذاب المتوقعين في الآخرة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن سبب بعث الأجساد إذا كانت الذوات هي أرواحاً في الأصل وليست أجساداً، وبهذا نعود للسؤال نفسه عن أسبقية الأرواح والأجساد. فإذا كانت الأجساد ليست سوى خزائن لهذه الأرواح المعتبرة، فلم يتم بعثها لتُعذّب؟ وإذا كانت الأجساد هي الأصل، فلم خلقت الأرواح أصلاً؟ هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى ارتباط الموت برمزية الكبش الذي يُذبح على خط فاصل بين النار والجنة كما جاء في الحديث: "حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي ثنا أحمد بن فتح ثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي ثنا إبراهيم بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت" (صحيح البخاري: تفسير القرآن) و (صحيح مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها) وهذا يطرح علينا عدة تساؤلات موضوعية للغاية.

أولى هذه التساؤلات تتشكّل حول الميل الغريب إلى تجسيد المجرّدات والتي لم تُوجد إلى في المجتمعات الوثنية البدائية، والذي قد يقودنا كذلك إلى الكلام عن أصل الديانات وعن ارتباط العقيدة الوثنية بالديانات الحديثة. ولكن ما يهمنا هنا هو معرفة أنّ الإنسان البدائي لم يكن قادراً على التفريق بين العلل والمعلولات، وغير قادر في الوقت ذاته على تخيّل المجرّدات إلا بواسطة النسق التجسيدي الذي انحدرت منه الفلسفة الوثنية في مرحلة لاحقة، فكان البدائيون يرون أن الخير والشر والحب والكراهية ما هي إلا مخلوقات مادية محسوسة، وهم إنما يفعلون ذلك حتى يُمكن تصوّر حركة هذه الظواهر. أما أن نُضطر لتجسيد الموت (وهو أحد المجردات) على هيئة كبش فهو الأمر الذي لا أجد له تفسيراً منطقياً على الإطلاق. وإذا تجاوزنا عن هذه النقطة بالتحديد فإننا سوف نجد أنفسنا أمام تساؤل آخر: كيف استطاع المؤمنون والكفار على حدّ سواء التعرّف على الموت وهو في صورته التجسيدية تلك؟ والواقع أنه لم تجسيد الموت على هيئته الأصلية (هذا على افتراض أن له هيئة أصلاً) فلم يكن من المنطقي أن يتعرف عليه أحد، لأنه –ببساطة- لا أحد يعرف شكل الموت ولا هيئته.

الحياة تعني الإدراك، وتعني مجموع العمليات الحيوية والعضوية التي يعتمد عليها الكائن الحي في صراعه من أجل البقاء من: تنفس، تكاثر، حركة، غذاء وما إلى ذلك من عمليات بيولوجية وحيوية أخرى. وعندما أقول أن الحياة تعني الإدراك، فإنني أعني بالإدراك إدراك الذاتي والموضوعي بالنسبة للكائن الحيّ، وهذا الإدراك يشمل إدراك الكائن لنفسه ولمتطلباته الحيوية والضرورية، كما يشمل إدراكه لمحيطه الذي يعتمد عليه في الغذاء والحركة والتكاثر؛ وعلى هذا فإن كل كائن يُمكن أن تتوافر فيه هذه الميزات الإدراكية يُمكن أن يُطلق عليه اسم (حي) وإن لم يتحرك أو يتبيّن لنا إدراكه بالشكل المطلوب.

وفي مسار بحثنا عن الروح في جسد الإنسان (كمثال)، نجد أن الدم قد يكون مرشحاً بقوة لتمثيل هذا الدور، فالدماء هي التي تنقل الغذاء والأوكسجين لأعضاء الجسم وأطرافه، ومجرّد توقف الدم أو تأخره في الوصول إلى عضو ما، يتهالك هذا العضو ويذبل حتى يموت، وفي هذا دليل على أن الدم هو من يهب هذا العضو حياته وحيويته. ولكن هل الدم بتركيبته المعروفة يحمل سر الحياة، أم أن تفاعل الأجزاء الحيوية في العضو مع العناصر التي يحملها الدم هو من يولّد الحياة؟ على الفور نكتشف أن الحياة تنتج من خلال تفاعل ما يتم بين العضو الحيّ والعناصر الموجودة في الدم من غذاء وأوكسجين، وهذا التفاعل يتطلب قدراً من الإدراك الكيميائي والعضوي لكل من العضو والدم، فليس كل دم صالح لتوليد هذا التفاعل، كما أن ليست كل الأعضاء يُمكنها التفاعل مع العناصر التي يحملها الدم.

وعلى هذا النسق نجد أن الضرورة تقتضي وجود مولّد لهذا الإدراك يُحدد مقدار هذا التفاعل وكيفيته، وينظمه بطريقة تتناسب واحتياجات العضو الحي لتتكامل هي الأخرى ومنظومة الأعضاء الحيوية والتفاعلات من ذات النوع لتولّد لنا في النهاية صورة من صور الحياة في أبسط أشكالها. وفي هذا الصدد نجد أن الدماغ هو المرشح الأقوى لتمثيل هذا الدور؛ إذ أنه المسئول المباشر عن تنظيم مثل هذه التفاعلات، واختلال الدماغ يؤدي في كثير من الأحيان إلى قصور في وظيفة بعض الأعضاء الحيوية والبيولوجية داخل الجسم الحي.

وأول سؤال قد يطرق أذهاننا هنا، هو: "وما الذي يولد الحركة في الدماغ؟" وأقصد بالحركة هنا: الحركة الحيوية وهي حركة الوظائف والعمليات الدماغية والعصبية فائقة السرعة والتعقيد. والواقع أن الدماغ يُشكل مصدراً من مصادر توليد الطاقة، وهذا التوليد ينتج في حقيقته عن طاقة كهربائية متحوّلة، فهي تتحوّل من طاقة كهربائية إلى طاقة حرارية أو حركية مثلاً. والنقطة الفاصلة بين العقلية العلمية والعقلية الخرافية هي الإيمان بوجود ما يُسمى بالطاقة الكامنة التي لا تتفاعل ولا تعمل إلا في أوساطها المناسبة والمتسقة تماماً مع طبيعتها. فسلك الكهرباء المكشوف يحتوي على طاقة كهربائية كامنة لا تعمل إلا إذا وجدت جسماً موصلاً لتكمل دورتها الكهربائية، ويتمثل هذا الجسم في القاطع الكهربائية الذي بوصله تشتعل الإنارة، وبفصله تطفئ، وقد يكون جسماً آخر يحتوي على خاصية التوصيل الجيّد للكهرباء فيسري خلاله، وإلا فإنه سوف يظل في كمونه.

بهذا المثال البسيط جداً، يُمكننا شرح عمل الدماغ الذي يؤثر في حركة عضلات القلب، والذي بدوره يضخ الدماء إلى أعضاء الجسم فيكسبها الحيوية والحياة. ليُصبح الدماغ بكل عملياته العقلية والعصبية هو ذلك العضو المادي الذي يولّد الحياة داخل أجساد الكائنات الحيّة، وهذا الدماغ موجود داخل كل كائن حيّ سواء كان هذا الكائن إنساناً أو حيواناً أو حشرة أو حتى نباتاً، ومن يظن أن النباتات بلا أدمغة فهو واهم لأن النباتات تعيش بأدمغة تعمل وفق قوانينها الخاصة، ولكن يُصبح من البلاهة أن نعتقد أن النباتات تمتلك أدمغة كأدمغة الحيوانات والبشر، بل وحتى أن يظن شخصاً بأن لكل كائن دماغ يُشبه دماغ كائن آخر. والواقع أن الخلايا الحيّة تعمل في النباتات وبعض فصائل الحشرات عمل الأدمغة تماماً.

وعلى هذا أيضاً فالنباتات كائنات مدركة، طالما أنها بأدمغة. وإدراك النباتات إدراك داخلي (ذاتي) وخارجي (موضوعي) وهو الذي يدفع النباتات الصحراوية أن تمد جذورها في الأرض إلى مسافات طويلة بحثاً عن المياه، وتقلّص من حجم أوراقها على السطح لتقلل من عملية تبخر الماء (النتح)، وتعمد إلى منح أجسادها أشواكاً تحميها من الطفيليات التي قد تقتات على الماء الذي بداخلها، وهو ذات الإدراك الذي يجعل النباتات الاستوائية تقوم بوظائفها التي تتناسب من طبيعتها ووسطها المحيط في صراع دائب ومستمر من أجل البقاء.

لا وجود لما يسمى بالأرواح، وإن كان لها وجود حقيقي فهي موجودة فقط في عقول العاشقين للخرافة والماورائيات، أولئك الكسالى الذين لا يريدون أن يقدحوا أدمغتهم بحثاً عن المعرفة الحقة والمتواضعة، مكتفيين بتلك القوالب الكلاسيكية البائدة التي أصبحت تترنح في مجابهة قوة العلم وانفلات العقد وكسره للحواجز التقليدية العتيقة. أرواح الحقيقية تقبع داخل أدمغتنا المهولة والتي لم نتعرف على كل مزاياها بعد حتى الآن، وسوف يأتي ذلك اليوم الذي يتمكن فيه العلم من فقأ أعين هؤلاء الكسالى ودحر حماقاتهم المريضة.

جدلية النص الديني والتأويل - 3

قدمنا في الجزء السابق من هذا المبحث تطبيقاً للتعاطي مع النص القرآني بالتأويل، ورأينا كيف أنه بالإمكان الخروج من النص الواحد بعدة تأويلات، واستعرضنا بعض الأقوال والتفسيرات المختلفة، وتكلمنا عن الناسخ والمنسوخ، وورطة إثباتها وورطة نفيها في آنٍ معًا، وكُنا قد أرجأنا الحديث عن علاقة النص القرآني بالحديث النبوي إلى وقتٍ لاحق، وقبل أن أدخل في جوهر هذا الجزء من المبحث أحببتُ أن أسوق مثلاً لحركة التأويل وثبات النص ودلالات ذلك:

إذا نظرنا إلى هذا النص: {{والشمس تجري لمستقر لها}}[يس:38] فإننا نجد المفسرين المتقدمين قد فسّروا جريان الشمس على أنها حركة ميكانيكية (من النقطة A إلى النقطة Z)، وذلك بناءً على أحاديث نبوية فيها إشارة إلى هذا النوع من الحركة، فكان ذلك التفسير مثار سخرية الملاحدة الذين رأوا في هذه الآية، وغيرها من الآيات المشابهة، قراءة كونية خاطئة لما أثبته العلم، تلك الحقيقة القائلة بأن الشمس لا تدور حول الأرض، بل العكس هو الصحيح، في إشارة إلى أن النص القرآني يثبت لا كروية الأرض، وأنها مسطحة، حسب ما كان متوفرًا من معلومات وهو ما يتنافى مع الحقيقة العلمية الثانية. وعندما أحس المفسرون هذا التعارض، راحوا يتحايلون على اللغة ليُخرجوا النص القرآني من ورطته، ففسروا جريان الشمس على نحو آخر غير الذي يحمله معنى الجريان الحسّي، مُستفيدين من فضفاضية اللغة ومرونتها، وكانوا على حق فيما ذهبوا إليه، فنحن نقول: "إن الأمور تجري على أكمل وجه"، بل وإننا نبالغ فنقول: "الأمور تجري على قدم وساق" فهنا لا تحمل كلمة [تجري] ذلك المعنى الحسّي للجريان، ولكن تدل على (السيرورة)، وكأن المعنى المختبئ وراء النص هو أن الشمس في سيرورة نحو مستقرها الذي يعلمه الله ويريده لها، وبهذا وجدوا مخرجًا لورطة النص.

كان هذا التأويل مريحًا ومقنعًا، حتى أثبت العلم أن كل الكواكب والأنجم في حركة دائمة، ما جدد الدماء في التفسير القديم مرة أخرى، وتم إلغاء التأويل القائل بالسيرورة، وهكذا نرى كيف أن النص متغير التأويل على الدوام مع ثباته. وفي الوقت الذي يتباهى فيه المؤمنون بثبات النص القرآني، فإنهم تجاهلوا إن هذه الحقيقة (أي ثبات النص) تسري على كل النصوص المكتوبة، وهي ليست بإعجاز حصري على القرآن إطلاقاً، فهذا المبحث الذي أكتبه يكتسب صفة الثبات بمجرد أن أنقر على زر [إرسال] فما الإعجاز في ذلك؟ إن الإعجاز الحقيقي يكمن في أن يكون المعنى ثابتاً مع تغيّر النص، وليس العكس.

ولكن بقراءة مُتأنية لهذا النص: {{فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فآت بها من المغرب}}[البقرة:258] فإننا نكتشف أن الفكرة الأساسية هي أن الشمس تجري وتتحرك وتدور حول الأرض، وهذا ما يدعمه هذا النص، كما أنه يدعم فكرة أن الأرض مسطحة؛ لاسيما إذا ما عولج النص بكمّ النصوص التي تحمل هذا المعنى ظاهريًا، والحقيقة أن الشمس لا (تأتي) من المشرق ولا من المغرب، فهي ثابتة بالنسبة إلى الأرض، والأرض هي التي تدور حولها، وبهذا يكون الشروق المغيب، والإتيان يعني: جلب الشيء (من النقطة A إلى النقطة Z)، وهو ما يثبت الرؤية البدائية التي كانت متوفرة منذ عصور سحيقة لحركة الكواكب، ولطبيعة الأرض، في القرن السادس عشر الميلادي.

في هذا الجزء الأخير من المبحث سوف نتطرق إلى علاقة النص القرآني بالسُنة النبوية بشيء من التفصيل؛ إذ أن هذه النقطة سوف تحسم قضايا التناقض والتباين بين النص القرآني والحديث النبوي. وقبل أن نناقش هذه المسألة فإنه تجدر بنا الإشارة إلى قيمة الحديث النبوي بالنسبة للتشريع الإسلامي؛ إذ يرى جمهور الفقهاء أن الحديث النبوي (السُنة النبوية) يعد أحد مصادر التشريع الإسلامي، والسُنة النبوية كما هو معلوم، مقسمة إلى:
[1] سُنة قولية: وهي الكلام المنقول بإحدى طرائق الإسناد منسوبًا إلى محمّد (رسول الإسلام) كقوله: "من رأى منكم مُنكرًا فليغيّره بيده ... الحديث"
[2] سُنة فعلية: وهي الأفعال المنقولة المنسوبة إلى محمّد (رسول الإسلام) كصلاته.
[3] سُنة تقريرية: وهي ما أقره محمّد (رسول الإسلام) على أصحابه، كإقراره لمن أفطر أو واصل الصوم في السفر.

الحقيقة أن هنالك إشكالية كبيرة في اعتماد مصادر التشريع الإسلامي، لاسيما السُنة النبوية، وتتأتى هذه الإشكالية من كون السُنة النبوية تطبيقاً عمليًا لواقع النص القرآني، فعندما نقرأ: {{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزءاً بما كسبا}}[المائدة:38] فإن هذا يُعتبر تشريعًا إسلاميًا لازم التطبيق، سواء وردَ في السنة أن محمّدًا قطع يد أحدهم أم لم يرد، فلا حاجة إلى ذلك طالما أن هنالك نص صريح، فإذا فعلها فلا يُمكن وصفها بأنها سُنة نبوية، ولكنها تكون تطبيقاً لشرع إلهي، كما أن موافقة السُنة لنص القرآن لا يعتبر إلا امتدادًا للنص القرآني ولا يُمكن اعتباره تشريعًا مُستقلاً. يكمن إشكال السُنة النبوية فيما تعارض ظاهريًا مع نص صريح أو تشريع أمر لم يرد في القرآن على الإطلاق، فمن أمثلة ما يتعارض مع النص القرآني الصريح: تحريم السُنة النبوية لزواج المُتعة رغم ورود آية صريحة تبيحه؛ إذ نقرأ: {{... وأُحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم مُحصنين غير مُسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جُناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ... }}[النساء:24] هذه الآية تجيز صراحة زواج المُتعة، والمُتتبع لسياق النص وما قبله، يفهم أن النص السابق أورد قائمة من النساء اللواتي يحرم على الرجل الزواج بهن [راجع الآية "23" من سورة النساء] {{حُرّمت عليكم أُمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ... }} ثم جاءت هذه الآية لمواصلة تبيان النساء المُحرمات على الرجال الزواج منهن من غير ذوات القربى وصلة الدم. فالسُنة النبوية تضيف على المحارم في قوله: {{وأن تجمعوا بين الأختين}} كذلك: "لا يُجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها" وهو مما لم يرد في نص الآية، وكذلك مما رواه علي بن أبي طالب من تحريمه لزواج المتعة بعد غزوة خيبر، رغم أن نص الآية واضح وصريح. وفيما يلي أمثلة لأحاديث نبوية تناقض صريح النص القرآني أو تضيف عليه ما ليس فيه:

[1] المسح على الخفين:
"عن المغيرة بن شعبة أن أوضأ النبي، فأهوى لينزع عنه خفيه، فقال له النبي: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" فمسح عليهما"[المصدر: صحيح البخاري (206) وصحيح مسلم (274)] وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن المسح على الخفين فقال: "ليس في قلبي من المسح شيء‏.‏ فيه أربعون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه"[المصدر: مجموعة فتاوى الشيخ بن عثيمين] ولم يرد في القرآن نص يوضح مشروعية المسح على الخفين، رغم ورود آية قريبة من ذلك: {{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ....}}[المائدة:6] فالآية تنص على مسح الأرجل وليس مسح الخفين، ومن نص الآية يتضح أن اليدين (إلى المرافق) والوجه مما يُغسل، وأن الأرجل والشعر مما يُمسح، ومن غسل قدميه في الوضوء فقد خالف نص الآية، لأن المطلوب المسح عليها وليس غسلها.

[2] الجمع في الصلاة:
عن ابن عباس قال: "إن النبي صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر والمغرب والعشاء". فقال أيوب: "لعله في ليلة مطيرة؟" قال: "عسى"[صحيح البخاري: 452] وكذلك حديث معاذ بن جبل أن النبي كان في غزوة تبوك إذا ارتحل بعد المغرب، عجل العشاء ، فصلاها مع المغرب." وأيضاً حديث أنس: "كان رسول الله إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل يجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل، صلى الظهر، ثم ركب ".ولم يرد في جمع الصلوات نص قرآني واحد، رغم أنه شرّع القصر في الصلاة: {{وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}}[النساء:101] وهي هنا مرتبطة بالخوف من إغارة العدو، وهو ما يُعرف لدى الفقهاء بصلاة الخوف.

[3] مصافحة النساء:
عن عروة بن الزبير أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرته أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} إلى قوله {غفور رحيم} قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد بايعتك ـ كلاماً ـ ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك". [المصدر: صحيح البخاري 8/810] وكذلك عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية {لا يشركن بالله شيئاً} قالت: وما مسَّت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأة إلا امرأة يملكها". [المصدر: صحيح البخاري 13/251] ولم يرد في القرآن نص واضح يُحرّم مصافحة النساء الأجنبيات.

[4] العبادة بالوكالة:
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "إن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي فقالت: "إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟" فقال: "نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أُمك دين أكنتِ تقضينه؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء"[المصدر: 1883] هذا الحديث يتنافى مع صريح الآيات التي تقضي بأن كُل إنسان مسئول من أعماله وأفعاله، كقوله: {{وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه}}[الإسراء:13] وكذلك: {{ولا تزر وازرة وزرة أخرى}}[الإسراء:15] وكذلك: {{من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها}}[فصلت:46] وكذلك: {{من عمل سيئة فلا يُجزى إلا مثلها ومن عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب}}[غافر:40] فالحساب يكون على الأعمال التي كسبها المرء بنفسه، وليس بالوكالة عنه. وهو أيضاً يُناقض أحاديث أخرى تدل على انقطاع عمل المرء بعد موته، وأحاديث أخرى تدل على أن من هم بالحسنة ولم يفعلها كُتبت له، فيسقط عندها أداء العبادات والنذور عن الميت بموته.

[5] عقوبة ترك الصلاة
عن أبي هريرة رضي الله عن قال: قال النبي(صلعم): "لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرقها عليهم"[صحيح البخاري:2459] هذا الحديث يتنافى مع المنهج القرآني المختص بالعبادات، فلا توجد عقوبة واحدة واردة في القرآن على ترك العبادة، وخصص لها عقوبات آخروية وليست دنيوية. وإذا افترضنا أن سلوكه في هذا الحديث نابع من تشريع إلهي ما لم يتم ذكره في القرآن مثلاً فإن عدم إقدامه على فعل ذلك يُعد من باب التقصير في التشريع حتى وإن كان من باب المُبالغة والتهويل.

وهنالك العديد من الأمثلة التي توضح لنا تناقضات بين النص القرآني والسُنة النبوية سواءً القولية أو الفعلية أو حتى التقريرية، ولكن اكتفي بما ورد من أمثلة لظني أنها كافية للإيفاء بغرض الاستشهاد. إن الذين يقولون بأن السُنة النبوية مصدر من مصادر التشريع يعتمدون في ذلك على آيات يأتي فيها ذكر طاعة الرسول مقترنة بطاعة الرسول، كقوله: {{وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}}[آل عمران:132] وهذا استشهاد قاصر في الحقيقة، لأن طاعة الرسول هنا، هو طاعته فيما أبلغه عن الله، أي من النص القرآني وحيًا، لأن افتراض هاتين الطاعتين منفصلتين يُؤدي بنا إلى وضع أحدهما في ميزان المفاضلة، فماذا إذا ناقض قول الرسول نص آية صريحة مثلاً؟ ولقد صدق ابن مطعون حين رفض أن يُجلد حدًا على شرب الخمر فقال: "بيني وبينكم كتاب الله"، ولكن عمرًا شرّع ذلك من عنده تعزيرًا، وذهب ما كان يخشاه ابن مطعون، فقد أصبحت عقوبة شرب الخمر تعزيرًا حدًا معمولاً به حتى يومنا هذا، رغم أنه لا يوجد نص قرآني واحد يُشرّع لعقوبة شرب الخمر، ومثله لترك الصلاة، ومثله السحاق واللواط، ولا يعني ذلك أنها مُباحة، ولكن لا يوجد لها تشريع إلهي قرآني، فهل نقول بأن شرع الله ناقص، فجاءت السُنة لتكمله؟

إن أغلب الفقهاء يستدلون بحجيّة السُنة في التشريع بناءً على أن السُنة تفصيل لما أُجمل في النص القرآني، وشرح لما أوجز رغم أنهم يقرءون قوله عن القرآن: {{لا تحرك لسانكَ لتعجل به (*) إنا علينا جمعه وقرآنه (*) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (*) ثم إن علينا بيانه}}[القيامة:16-19] فالنبي نفسّه مأمور بأن يتبع القرآن، كما أن هذه الآية توضح أن شرح القرآن وتبينه مسئولية الله، وليست مسئولية محمّد، فكيف بعد ذلك يُمكن اعتبار السُنة النبوية مُكمّلة أو شارحة للنص القرآني؟ وإذا افترضنا أن السُنة كذلك، فهذا يعني أن السُنة جزء من التشريع الإلهي لأنه (كما يعتقد البعض): {{وما ينطق عن الهوى (*) إن هو إلا وحي يوحى}}[النجم:3-4] فالاعتقاد أن كل ما ينطق به محمّد هو وحي يُوحي به الله إليه، ولكننا نعلم أن الوحي لا يكون إلا بالقرآن، فيكون المقصود بالآية هو نفي بأن يكون القرآن كلام محمد، وتأكيد على أنه وحي يُوحى إليه. ولكن فلنفترض جدلاً أن كل ما ينطبق به محمّد (بغير القرآن) هو وحي إلهي، أفلا يتضمن ذلك اعتبار أن السُنة جزء من الذكر المقصود في قوله: {{إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}}[الحجر:9] على اعتبار أن تشريعات السُنة النبوية وحي إلهي نازل من السماء؟ إن الحقيقة الساطعة التي نعلمها أن السُنة النبوية خضعت لتحريفات وإضافات كبيرة، حتى أن الإمام جلال الدين السيوطي خصص كتابًا كاملاً لحصر الأحاديث الموضوع بعنوان: [اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة] وهو كتاب يأتي في [600] صفحة تقريبًا، ناهيكم عن الأحاديث الضعيفة؛ فهل لم يحفظ الله شرعه؟ إن اعتبارنا السُنة النبوية مصدرًا من مصادر التشريع يطعن في حفظ الله لشريعته، حيث أنه اختص القرآن بالحفظ، وترك السُنة (الشارحة للقرآن) نهبًا لضعاف النفوس يُحرفوا ويضعوا فيه ما يشاءون، وهذا لا يتوافق ولا يتماشى مع العقل والمنطق في شيء، فالراجح عندها ألا تكون السُنة النبوية جزءًا من التشريع ولا مصدرًا من مصادره، فإذا كان كذلك، فكيف يُمكن له أن ينسخ القرآن؟

إن الحقيقة العقلية الجلية أمامنا، أن القرآن كتاب لم يُفترض أنه مُكتفٍ بذاته ونصوصه عن شرح غيره، وإذا كان ذلك صحيحًا، فلا يجب أن نقول بأن السُنة النبوية مكملة أو شارحة له، ناهيكم عن أن تكون ناسخة للقرآن، فلا يصح أن يكون المُحرّف أو المُعرّض للتحريف سندًا ودليلًا على غير المُحرف والذي تعهده الله بالحفظ ، فإذا كان محمد (رسول الإسلام) نفسه، غير مخوّل بأن يُفتي في التشريع إلا بما جاء به نص صريح في القرآن، فكيف لنا أن نأخذ باجتهادات الفقهاء؟ ويتبقى أمامنا مصدرين من مصادر التشريع: [1] الإجماع [2] القياس، فأما الأول فهو غير مُتحقق حتى في بعض ما نصّ عليه نص قرآني، فنرى أن التأويل والتفسير أفسد الإجماع في كثير، حتى ظهرت الفرق الإسلامية المُختلفة، ومنها ما يختلف على ما يظنه كثير من الناس من الأصول الثابتة التي لا خلاف عليها ألا وهو (قضية التوحيد)، ونظرة مُتفحصة لما عليه الشيعة والمعتزلة، يُظهر أن هنالك اختلافات واسعة تمس صُلب العقيدة نفسها، وهذا ما دفع الفرق الإسلامية إلى تكفير بعضها بعضاً. وأما عن القياس فلا يُمكن أن يكون مصدرًا من مصادر التشريع، لأنه [1] يعتمد على الفهم الجيّد والصحيح لنصوص الآيات، ولقد رأينا كيف أنه لا يُمكن التوثق من ذلك البتة [2] كما أن محمّداً (رسول الإسلام) لم يرد عنه قياس في حكم شرعي الإطلاق. وإن نحن أجملنا النتائج المنطقية التي توصلنا إليها، خرجنا بأن القرآن نص تاريخي مُختص بزمان ومكان مُحددين، ولم يكن صالحًا للإسقاط على أي زمان ولا أيّ مكانٍ آخرين، ولقد رأينا كيف بدأت الخلافات العقدية الكُبرى منذ أن خرج الإسلام من الجزيرة العربية. ويبقى نقاشنا هذا في مقام مُناقشة التراث لفهم التاريخ لا أكثر.

إن النص القرآني صيغ ليكون متلائمًا مع البيئة التاريخية والاجتماعية التي جاءت فيها، وهذه الاختلافات الكبرى التي يقع فيها الفقهاء على الدوام، ما هي إلا نتائج محاولاتهم غير المنطقية لسحب واقع النص التاريخي وإسقاطه على واقع آخر، حتى وإن حاولوا تشذيبه وتهذيبه فإنه يبقى خارجًا عن سياقه المفترض، وهو ما يضع النص القرآني نفسه في ورطات كبيرة لم يكن له أن يقع فيها لولا هذا الإصرار. أقول ذلك دون أن أنسى تاريخ الفقه الإسلامي المتأخر بالنسبة إلى تاريخ الإسلام نفسه. إن الأمر على هذا الحال أشبه بمحاولتنا تطوير آلة بدائية (كالرماح والسيوف) في عصر القنبلة الذرية والصواريخ الذكية، فما اجتهدنا وأبدعنا في تطويرها، فلن تكون متوائمة لعصرنا الحالي على الإطلاق، بل سوف تجعلنا نبدو كمن يهرولون خارج التاريخ أو على هامشه. ليس بوسع القرآن كنص تشريعي أن يكون تشريعًا متكاملًا إلا في عصره وفي أوانه، وإن إخفاقه في مواكبة مشكلات العصر الحالي تجعلنا نطرح تساؤلاً غاية في الأهمية: هل أُريد للقرآن أن يكون كتابًا للعرب في ذلك الزمان، أم أنه كتاب للمسلمين في كل زمان ومكان؟ إن الإجابة على هذا السؤال تقبع في إجابة سؤال آخر أكثر أهمية وأكثر شراسة: "هل القرآن كلام الله فعلاً؟" إن كل ما تقدّم من تحليل يُوضح أحد أمرين: [1] إما أن يكون كلام الله، وتكون تاريخانية النص القرآني إرادة إليه مُسبقة، بحيث يتم تطبيقها على واقع ذلك الزمان وحيثياته، لأنه إذا كانت إرادته أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، فقد فشل في ذلك تمامًا. [2] وإما ألا يكون كلام الله، وعندها ستصبح الأمور واضحة وجلية ومفهومة.

النص، لكي يكون إلهيًا، يجب أن يكون ذا مواصفات إلهية خارقة ومُعجزة فعلًا، إن نصًا مثل: {{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}}[المائدة:38] نص مُحكم وواضح، ورغم ذلك فإن الفقهاء يُشيدون بما فعله عمر بن الخطاب عندما قام بتعطيل حد السرقة عام المجاعة، رغم أن النص لم يكن فيه استثناء على الإطلاق، فهل كان عمر بن الخطاب أرحمَ بالناس من الله؟ هل لم يعلم الله أنه ستكون هنالك أعوام مجاعة يُضطر فيها أحدنا للسرقة لكي يأكل؟ الإجابة هي: بلى، كان يعلم. إذن، لماذا لم يضع استثناءات لمثل هذه الحالات؟ والإجابة المُتاحة لدينا من نص الآية هي: إنه لم يُرد أن يضع أي استثناءات. إنه كمثال [لا تخرجوا من بيوتكم] الوارد في الجزء الأول من هذا المبحث، فهل بإمكاننا أن نضع استثناءات من عند أنفسنا ثم نعتقد أن هذا هو حُكم الله؟ ولم يكن فيه بيان بنصاب السرقة الموجب للسرقة، ورغم ذلك نجد الفقهاء يُفتون في النصاب ومقداره الموجب للحد.

إن اللغة ليست مجرد نصوص، والنصوص ليست مجرد حروف متراصة؛ فاللغة معنى، وما النص إلا حامل لهذا المعنى، فإذا أخفق النص في إيضاح المعنى وإيصاله، فإنها تكون لغة مبهمة، فإذا قلتُ: "شربتُ الماء حتى آخري" فهذا نص مبهم وغير مفهوم، لم يحمل المعنى الذي أريد إيصاله، وهو أنني شربت الماء كُله، فكان لابد أن أقول: "شربت الماء عن آخره"

علينا أن نتساءل: "لماذا يتغير تأويل النص القرآني ولا يتغير تأويل النصوص الشعرية كما في المعلقات العشر مثلًا رغم أنها نصوص لم تكن مكتوبة ولا معهودة بالحفظ الإلهي، ولم تكتب إلا بعد سنوات طويلة جداً من صياغتها؟" ليس هنالك اختلاف في شروح المعلقات العشر كما في اختلاف تفسير النصوص القرآنية سواءٌ لدى نفس المفسر أو بين عدة مفسرين، فقد نجد أكثر من عشر تفاسير لآية واحدة، ومازال اختلاف التأويل قائمًا حتى اليوم، وسوف يستمر طالما أن الإنسان لا يكف عن الإنجاز والابتكار والمعرفة، هل بإمكاننا القول بأن المعلقات العشر تتمتع بميزة إعجازية ما؟ هل يمكن أن نقول إنها نصوص أكثر دقة ووضوحاً من النص القرآني؟ إنه بإمكاننا القول، بوثوقية كاملة، أننا نطق أبيات معلقة عنترة كما نطق بها، وأننا نفهما كما أراد لنا أن نفهمها، وكما فهمها مُعاصروه، لكن هذه الميزة غير متوفرة في القرآن، فكثيرًا ما تمر علينا عند قراءة كُتب التفاسير عبارة: "وقرأها ابن مسعود كذا وكذا" أو "وقرأها ابن عباس كذا وكذا". وفي مبحث قصير للأستاذ: صالح لحلوحي عن القراءات الشاذة أورد عددًا كبيرًا من القراءات التي خالف فيها ابن مسعود وغيره المتفق عليه في القراءات نورد منها ما يلي:

[1] {{هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور}}[البقرة:210] قرأها ابن مسعود {{هل ينظرون أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام}}
[2] {{ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}}[البقرة:106] قرأها هكذا: {{ما ننسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها أو خير منها}}
[3] {{خلق الإنسان من عَجَل}}[الأنبياء:37] قرأها هكذا: {{خلق العَجَل من الإنسان}}
[4] {{يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها}}[النور:27] قرأها هكذا: {{.. حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا ..}}
[5] {{وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ...}}[البقرة:127] قرأها هكذا: {{وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا تقبل منا ..}}
[6] {{إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما }}[البقرة:158] قرأها هكذا: {{ ... فلا جناح عليه ألا يطوّف بهما}}
[7] {{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم، فإذا أفضتم من عرفات ...}}[البقرة:198] قرأها هكذا: {{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج، فإذا أفضتم من عرفات ...}} وكذلك قرأها ابن عباس.
[8] {{فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن: أيتها العير إنكم لسارقون}}[يوسف:70] قرأها هكذا: {{... جعل السقاية في رحل أخيه وأمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مُؤذن أيتها العير إنكم لسارقون}}
[9] {{... وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً}}[الكهف:79] قرأها هكذا: {{... وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً}} وكذلك قرأها أبي بن كعب
[10] {{... فقبضتُ قبضة من أثر الرسول، فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي}}[طه:96] قرأها هكذا: {{... فقبضتُ قبضة من أثر فرس الرسول، فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي}}
[11] {{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم}}[الزمر:53] قرأها هكذا: {{... إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء ...}}
[المصدر: مجلة المخبر، العدد الأول 2009]
[12] {{والليل إذا يغشى (*) والنهار إذا تجلى (*) وما خلق الذكر والأنثى}}[الليل:1-3] قرأها هكذا: {{والليل إذا يغشى (*) والنهار إذا تجلى (*) والذكر والأنثى}}

وقبل أن نحكم على قراءات عبد الله بن مسعود بالشذوذ ومخالفة المتفق عليه من جماعة القراء والعلماء، فإنه يتوجب علينا ألا ننسى الأحاديث التي جاءت تذكر مناقبه، ومنها على سبيل المثال، ما ورد في صحيح البخاري حديث رقم (3809): "استقرئوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل." وكذلك: "عن عبد الرحمن بن يزيد،، قال سألنا حذيفة عن رجل، قريب السمت والهدى من النبي صلى الله عليه وسلم حتى نأخذ عنه فقال ما أعرف أحدا أقرب سمتا وهديا ودلا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عبد‏"[صحيح البخاري، حديث رقم:3808] وكذلك: "عن علقمة، دخلت الشام فصليت ركعتين، فقلت اللهم يسر لي جليسا‏.‏ فرأيت شيخا مقبلا، فلما دنا قلت أرجو أن يكون استجاب‏.‏ قال من أين أنت قلت من أهل الكوفة‏.‏ قال أفلم يكن فيكم صاحب النعلين والوساد والمطهرة أولم يكن فيكم الذي أجير من الشيطان أولم يكن فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره كيف قرأ ابن أم عبد ‏{‏والليل‏}‏ فقرأت ‏{‏والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * والذكر والأنثى‏}‏‏.‏ قال أقرأنيها النبي صلى الله عليه وسلم فاه إلى في، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردوني‏.‏"[صحيح البخاري، حديث رقم:3807] وكذلك الحديث المشهور: "من أحب أن يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد" والأحاديث في مناقبه كثيرة ولا تحصى، وعلى هذا فإننا نصبح أمام أمرين لا ثالث لهما: [1] فإما أن عبد الله بن مسعود حرّف القرآن رغم كل المناقب التي عرفناها عنه، ورغم مدح النبي له. [2] وإما أن القرآن الذي بين أيدينا الآن مُحرّف ولما يصلنا كما نزل.

إنه بقليل من التصالح مع الذات، سوف نجد أن القول بأن القرآن ليس كلام الله، هو أكثر احترامًا من القول بأنه كلامه وأن نصدق فيه قصوره وتناقضه وأن نوهم أنفسنا بأنه لا اختلاف فيه مع علمنا التام بمدى الاختلافات الفقهية التي ينوء بها كاهل المجتمعات الإسلامية المغلوب على أمرها في انتظار أن يتفق العلماء والفقهاء.